Home
Select Dictionary ▼
My Other Websites and Tools:
Hawramani.com
QuranicNames.com
My Amazon Author Page
Arabic Lexicon
Arabic Transliteration Tool
Approximate Hijri to Gregorian Converter
Urdu-Hidi-English Dictionanry (Platts)
My books on Amazon (available as paperbacks and Kindle ebooks):
Learning Quranic Arabic for Complete Beginners
Learning Modern Standard Arabic (MSA) for Complete Beginners
54119. عبد الجليل بن حميد المصري2 54120. عبد الجليل بن حميد اليحصبي1 54121. عبد الجليل بن عبد الجبار بن عبد الله بن طلحة...1 54122. عبد الجليل بن عبد الرحمن ابو حاتم1 54123. عبد الجليل بن عطية154124. عبد الجليل بن عطية القيسي3 54125. عبد الجليل بن عطية القيسي أبو صالح البصري...1 54126. عبد الجليل بن عطية القيسي ابو صالح1 54127. عبد الجليل بن محمد بن الحسن1 54128. عبد الجليل بن محمد بن عبد الواحد أبو مسعود الأصفهاني كوتاه...1 ◀ Prev. 10▶ Next 10

عبد الجليل بن عطية

»
Next
Details of عبد الجليل بن عطية (hadith transmitter) in 1 biographical dictionary by the author Al-Dhahabī

Similar and related entries:
مواضيع متعلقة أو مشابهة بهذا الموضوع

عبد الجليل بن عطية القيسي

Details of عبد الجليل بن عطية القيسي (hadith transmitter) in 3 biographical dictionaries by the authors Al-Bukhārī , Burhān al-Dīn al-Ḥalabī and Ibn Ḥibbān
▲ (1) ▼
Al-Bukhārī (d. 870 CE) - al-Tārikh al-kabīr البخاري - التاريخ الكبير
Permalink (الرابط القصير إلى هذا المقطع):
https://hadithtransmitters.hawramani.com/?p=79546&book=5567,1713836342#fd3a56
عَبْد الجليل بْن عطية القيسي،
سمع شهرا وجَعْفَر بْن ميمون، سَمِعَ منه العقدي 1، نسبه حماد بْن زيد، قَالَ عَبْد الصمد: كنيته
أَبُو سلح، القيسي هو الْبَصْرِيّ، ربما وهم.
▲ (1) ▼
Ibn Ḥibbān (d. 965 CE) - al-Thiqāt ابن حبان - الثقات
Permalink (الرابط القصير إلى هذا المقطع):
https://hadithtransmitters.hawramani.com/?p=79546&book=5567,1713836342#f281a2
عبد الْجَلِيل بن عَطِيَّة الْقَيْسِي يروي عَن جَعْفَر بن مَيْمُون كنيته أَبُو صَالح روى عَنْهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِث يعْتَبر حَدِيثه عِنْد بَيَان السماع فِي خَبره إِذا رَوَاهُ عَن الثِّقَات وَكَانَ دونه ثَبت
▲ (1) ▼
Burhān al-Dīn al-Ḥalabī (d. 1438 CE) - al-Tabyīn li-asmāʾ al-mudallisīn برهان الدين الحلبي - التبيين لأسماء المدلسين
Permalink (الرابط القصير إلى هذا المقطع):
https://hadithtransmitters.hawramani.com/?p=79546&book=5567,1713836342#f95b4c
عبد الجليل بن عطية القيسي عن شهر بن حوشب وغيره
بصري صدوق وثقة بن معين وروى عنه أبو نعيم قال خ ربما يهم انتهى وقد ذكره بن حبان في ثقاته فقال يعتبر حديثه عند بيان السماع في خبره إذا روى عن الثقات وكان راوية ثبتا انتهى ومعنى هذا انه يدلس والله اعلم.

عبد الجليل بن عطية القيسي ابو صالح

Details of عبد الجليل بن عطية القيسي ابو صالح (hadith transmitter) in 1 biographical dictionary by the author Ibn Abī Ḥātim al-Rāzī
Ibn Abī Ḥātim al-Rāzī (d. 938 CE) - al-Jarḥ wa-l-taʿdīl ابن أبي حاتم الرازي - الجرح والتعديل
Permalink (الرابط القصير إلى هذا المقطع):
https://hadithtransmitters.hawramani.com/?p=94716&book=5579#21b922
عبد الجليل بن عطية القيسي أبو صالح روى عن شهر بن حوشب وجعفر بن ميمون روى عنه حماد بن زيد وعبد الوارث وابو عامر العقدى وزيد
ابن حباب سمعت أبي يقول ذلك، نا عبد الرحمن نا عباس بن محمد الدوري قال سمعت يحى بن معين يقول عبد الجليل بن عطية بصرى ثقة يروى عنه عبد الرحمن ابن مهدى وعبد الصمد، يعني ابن عبد الوارث.

عبد الجليل بن عطية القيسي أبو صالح البصري

Details of عبد الجليل بن عطية القيسي أبو صالح البصري (hadith transmitter) in 1 biographical dictionary by the author Ibn Ḥajar al-ʿAsqalānī
Ibn Ḥajar al-ʿAsqalānī (d. 1449 CE) - Ṭabaqāt al-mudallisīn ابن حجر العسقلاني - طبقات المدلسين
Permalink (الرابط القصير إلى هذا المقطع):
https://hadithtransmitters.hawramani.com/?p=161492&book=5567,1708660758#324504
عبد الجليل بن عطية القيسي أبو صالح البصري وثقة بن معين وقال البخاري يهم في الشئ وقال بن حبان يعتبر حديثه إذا بين السماع.

عبد الله امير المؤمنين السفاح بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب

Details of عبد الله امير المؤمنين السفاح بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب (hadith transmitter) in 1 biographical dictionary by the author Al-Khaṭīb al-Baghdādī
Al-Khaṭīb al-Baghdādī (d. 1071 CE) - Tārīkh Baghdād الخطيب البغدادي - تاريخ بغداد
Permalink (الرابط القصير إلى هذا المقطع):
https://hadithtransmitters.hawramani.com/?p=133834&book=5567,1708659809#23bae4
عبد اللَّه أمير المؤمنين السفاح بْن مُحَمَّد بْن عليّ بْن عَبْد اللَّه بْن الْعَبَّاس بْن عَبْد المطلب، يكنى أبا العباس، ويقَالَ له أيضًا: المرتضى، والقائم :
ولد بالشراة وكان مولده على ما:
أَخْبَرَنَا علي بن أَحْمَد بن عمر المقرئ، أَخْبَرَنَا علي بن أحمد بن أبي قيس الرفاء، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدّنيا، حدّثني محمّد بن صالح، حَدَّثَنَا أبو مسعود عمرو بن عيسى الرياحي، حَدَّثَنِي جدي عبيد اللَّه بن العباس بن مُحَمَّد قَالَ: ولد أبو العباس سنة خمس ومائة، واستخلف وهو ابن سبع وعشرين سنة.
قلت: وهو أول خلفاء بني العباس بويع بالكوفة، وانتقل إلى الأنبار فسكنها حتى مات بها، وكان أصغر سنًا من أخيه أبي جعفر.
أَخْبَرَنَا الحسن بن أبي بكر، أخبرنا محمّد بن عبد الله الشّافعيّ، حدّثنا عمر بن حفص السدوسي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يزيد قَالَ: واستخلف أبو العباس عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عليّ بْن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم سنة اثنتين وثلاثين ومائة، لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، ويقَالَ في جمادى، وتوفي سنة ست وثلاثين ومائة لثلاث عشرة- أو إحدى عشرة- خلت من ذي الحجة يوم الأحد، فكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر، وتوفي وله ثلاث وثلاثون سنة، وأمه ريطة بنت عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عبد المدان بن الديان بن الحارث بن كعب توفي بالأنبار وصلى عليه عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ العباس.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن أَحْمَد بن رزق، أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، حدثنا محمد ابن أَحْمَد بن البراء قَالَ: أبو العباس المرتضى والقائم، عبد اللَّه بن مُحَمَّد الإمام بْن عَلِيّ السجاد بْن عَبْد اللَّه الحبر بن عباس ذي الرأي بن عبد المطلب شيبة الحمد بن هاشم وهو عمرو بن عبد مناف ولد بالشراة، وبويع بالكوفة يوم الجمعة لأربع عشرة
ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وبايع أبو العباس لأخيه أبي جعفر، ولعيسى بن موسى بن مُحَمَّد بن علي، ومات بالأنبار لأثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، وكان نقش خاتمه، اللَّه ثقة عبد اللَّه، وكان عمره ثلاثًا وثلاثين سنة، وخلافته أربع سنين، وثمانية أشهر، ويومان.
أَخْبَرَنَا علي بن أحمد بن عمر، أَخْبَرَنَا علي بن أحمد بن أبي قيس، حدّثنا ابن أبي الدّنيا، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن صالح عن مُحَمَّد بن عباد عن إسحاق بن عيسى أن أبا العباس توفي وهو ابن اثنتين وثلاثين، وكان أبيض أقنى، ذا شعرة جعدة، حسن اللحية جعدها، مات بالجدري، وصلى عليه عيسى بن علي، ودفن بالأنبار.
أَخْبَرَنِي الْحَسَن بن أبي بكر قَالَ: كتب إلينا مُحَمَّد بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن عمران الجوري يذكر أن أَحْمَد بْن حَمْدَان بْن الخضر أخبرهم قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن يونس الضبي قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حسان الزيادي قَالَ: سنة ست وثلاثين ومائة، فيها توفي أبو العباس بالأنبار يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة، وهو ابن إحدى وثلاثين سنة وأشهر، وكان مولده سنة خمس ومائة، وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر، وكان طويلا أبيض أقنى حسن اللحية جعدها، ودفن بالأنبار.
أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ القصاب، حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، أخبرنا علي ابن طيفور بن غالب، حدّثنا قتيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ.
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بن علي الورّاق، أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب، حَدَّثَنَا أبو بشر محمد بن أحمد بن حمّاد الأنصاريّ، حدّثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، حدّثنا أبو أسامة، حَدَّثَنِي زَائِدَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَّا رَجُلٌ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الزَّمَنِ، وَظُهُورٍ مِنَ الْفِتَنِ يُسَمَّى السَّفَّاحُ، يَكُونُ عَطَاؤُهُ الْمَالَ حسيا»
لَفْظُ زَائِدَةَ.
أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الرَّزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ محمّد الكاتب، حَدَّثَنا أَبُو عَبْد اللَّهِ جَعْفَرُ بْن مُحَمَّدِ بْنِ عبيد بن عتبة الكندي- بالكوفة- حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الأَزْدِيُّ، أَخْبَرَنِي سَلَّامٌ مَوْلَى الْعَبَّاسَةِ بِنْتِ الْمَهْدِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ مَوْلَى الْمَهْدِيِّ قَالَ: سمعت المهديّ أمير المؤمنين يقول:
حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلا يَوْمٌ.
لأدَالَ اللَّهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، لِيَكُونَنَّ مِنَّا السَّفَّاحُ، وَالْمَنْصُورُ، وَالْمهدي.
أخبرنا أحمد بن عمر بن روح النهرواني ومحمّد بن الحسين بن محمّد الجازري وقال أحمد أنبأنا وقَالَ محمد حَدَّثَنَا المعافى بن زكريا الجريري، حدّثنا محمّد بن يحيى الصولي، حدّثنا القاسم بن إسماعيل، حَدَّثَنَا أَحْمَد بن سعيد بن سلم الباهلي عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَنِي من حضر مجلس السفاح وهو أحشد ما كان ببني هاشم والشيعة، ووجوه الناس، فدخل عبد اللَّه بن حسن ومعه مصحف. فقَالَ: يا أمير المؤمنين أعطنا حقنا الذي جعله اللَّه لنا في هذا المصحف، قَالَ: فأشفق الناس من أن يعجل السفاح بشيء إليه، فلا يريدون ذلك في شيخ بني هاشم في وقته، أو يعيى بجوابه فيكون ذلك نقصًا له، وعارًا عليه، قَالَ: فأقبل عليه غير مغضب ولا مزعج فَقَالَ: إن جدك عليًّا- وكان خيرًا مني وأعدل- وَلِيَ هذا الأمر فأعطي جديك الْحَسَن والْحُسَيْن- وكانا خيرًا منك- شيئًا؟ وكان الواجب أن أعطيك مثله، فإن كنت فعلت فقد أنصفتك، وإن كنت زدتك فما هذا جزائي منك، قَالَ: فما رد عبد اللَّه جوابًا وانصرف، والناس يعجبون من جوابه له.
أَخْبَرَنَا أَبُو بشر مُحَمَّد بْن عُمَر الوكيل، حدّثنا محمّد بن عمران المرزباني، حدّثني أحمد بن محمّد الجوهريّ، حدّثنا الحسن بن عليل العنزي، حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن يعقوب العذري المدني، حَدَّثَنِي يعقوب بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن سعد قَالَ: دخل عمران بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن عبد اللَّه بن مطيع العدوي على أبي العباس في أول وفد وفد عليه من المدينة، فأمروا بتقبيل يده فتبادروها، وعمران واقف، ثم حياه بالخلافة وهنأه وذكر حسبه ونسبه ثم قَالَ: يا أمير المؤمنين إنها واللَّه لو كانت تزيدك رفعة، وتزيدني من الوسيلة إليك ما سبقني بها أحد، وإنك لغني عما لا أجر لنا فيه، وعلينا فيه ضعة، قال: ثم جلس، فو الله ما نقص عن حظ أصحابه.
أَخْبَرَنَا الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن طاهر الدقاق، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن المكتفي، حَدَّثَنَا جحظة قَالَ: قَالَ جعفر بن يَحْيَى: نظر أمير المؤمنين السفاح في المرآة- وكان من أجمل الناس وجهًا- فقَالَ: اللَّهم إني لا أقول كما قَالَ عبد الملك أنا عبد الملك الشاب، ولكن أقول اللَّهم عمرني طويلًا في طاعتك ممتعًا بالعافية. فما استتم كلامه حتى سمع غلامًا يَقُول لغلام آخر: الأجل بيني وبينك شهران وخمسة أيام،
فتطير من كلامه، وقَالَ: حسبي اللَّه، لا قوة إلا باللَّه، عليه توكلي وبه أستعين، فما مضت الأيام حتى أخذته الحمى، فجعل يوم يتصل إلى يوم حتى مات بعد شهرين وخمسة أيام.
أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الخلّال، حدّثنا أحمد بن محمّد بن عمران، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْفُضَيْلِ الْكَاتِبُ، حَدَّثَنَا عبد الله بن أبي سعد قَالَ: ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ الْخُزَاعِيُّ أَنَّ الرَّشِيدَ قَالَ لابْنِهِ: كَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ رَاهِبَنَا وَعَالِمَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، وَلَمْ يَزَلْ فِي خِدْمَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، ثُمَّ خَدَمَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِلَى وَقْتِ وَفَاتِهِ، ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ الإِمَامُ، وَأَبَا الْعَبَّاسِ، وَالْمَنْصُورَ، فَحَفِظَ جَمِيعَ أَخْبَارِهِمْ، وَسِيَرِهِمْ، وَأُمُورِهِمْ، وَكَانَ قُرَّةَ عَيْنِهِ فِي الدُّنْيَا إِسْحَاقُ ابْنُهُ، فَلَيْسَ فِينَا أهل البيت أحدا أَعْرَفُ بِأَمْرِنَا مِنْ إِسْحَاقَ، فَاسْتَكْثِرْ مِنْهُ، وَاحْفَظْ جَمِيعَ مَا يُحَدِّثُكَ بِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَ أَبِيهِ فِي الْفَضْلِ، وَإِيثَارِ الصِّدْقِ، قَالَ: فَأَعْلَمْتُهُ أَنِّي قَدْ سَمِعْتُ مِنْهُ شَيْئًا كَثِيرًا، فَسَأَلَنِي: هَلْ سَمِعْتَ خَبَرَ وَفَاةِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَأَعْلَمْتُهُ أَنِّي قَدْ سَمِعْتُهُ، فَقَالَ قَدْ سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ، فَحَدِّثْنِي مَا حَدَّثَكَ بِهِ إِسْحَاقُ لأَنْظُرَ أَيْنَ هُوَ مِمَّا حَدَّثَنِي بِهِ أَبُوهُ؟ فقَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ وهو فِي مَدِينَتِهِ بِالأَنْبَارِ، قَالَ إِسْحَاقُ: قَالَ أَبِي: وَكُنْتُ قَدْ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ أَيَّامًا لَمْ أَرْكَبْ إِلَيْهِ فِيهَا، فَعَاتَبَنِي عَلَى تَخَلُّفِي كَانَ عَنْهُ، فَأَعْلَمْتُهُ أَنِّي كُنْتُ أَصُومُ مُنْذُ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ فَقَبِلَ عُذْرِي. وَقَالَ لِي: أَنَا فِي يَوْمِي هَذَا صَائِمٌ، فَأَقِمْ عِنْدِي لِتَقْضِيَنِي فِيهِ بِمُحَادَثَتِكَ إِيَّايَ مَا فَاتَنِي فِي الأَيَّامِ الَّتِي تَخَلَّفْتَ عَنِّي فِيهَا، ثُمَّ تَخْتِمُ ذَلِكَ بِإِفْطَارِكَ عِنْدِي، فَأَعْلَمْتُهُ أَنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ، وَأَقَمْتُ إِلَى أَنْ تَبَيَّنْتُ النُّعَاسَ فِي عَيْنَيْهِ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ، فَنَهَضْتُ عَنْهُ وَاسْتَمَرَّ في النوم، فملت بَيْنَ الْقَائِلَةِ فِي دَارِهِ، وَبَيْنَ الْقَائِلَةِ فِي دَارِي، فَمَالَتْ نَفْسِي إِلَى الانْصِرَافِ إِلَى مَنْزِلِي لأقيلَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اعْتَدْتُ الْقَائِلَةَ فِيهِ، فَصِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَقِلْتُ إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ، ثُمَّ رَكِبْتُ إِلَى دَارِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَوَافَيْتُ إِلَى بَابِ الرَّحْبَةِ الْخَارِجِ، فَإِذَا بِرَجُلٍ دَحْدَاحٍ حَسَنِ الْوَجْهِ مُؤْتَزِرٍ بِإِزَارٍ، مُتَرَدٍّ بِآخَرَ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ فقَالَ:
هَنَّأَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ النِّعْمَةَ وَكُلّ نِعْمَةٍ، الْبُشْرَى أَنَا وَافِدُ أَهْلِ السَّنَدِ، أَتَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِين بِسَمْعِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ وَبَيْعَتِهِمْ، فما تمالكت سرورا إلى أن حمدت الله على توفيقه إلىّ لِلانْصِرَافِ رَغْبَةً فِي أَنْ أُبَشِّرَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بهذه البشرى، فما توسطت الرَّحْبَةَ حَتَّى وَافَى رَجُلٌ فِي مِثْلِ لَوْنِهِ وَهَيْئَتِهِ، وَقَرِيبُ الصُّورَةِ مِنْ صُورَتِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ كَمَا سَلَّمَ
عَلَيَّ الآخَرُ، وَهَنَّأَنِي بِمِثْلِ تَهْنِئَتِهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ وَافِدُ أَهْلِ إِفْرِيقِيَةِ أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِسَمْعِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ، فَتَضَاعَفَ سُرُورِي، وَأَكْثَرْتُ مِنْ حَمْدِي عَلَى مَا وَفَّقَنِي لَهُ مِنَ الانْصِرَافِ، ثُمَّ دَخَلْتُ الدَّارَ فَسَأَلْتُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ كَانَ يَتَهَيَّأُ فِيهِ لِلصَّلاةِ، وَكَانَ يَكُونُ فِيهِ سِوَاكُهُ، وَتَسْرِيحُ لِحْيَتِهِ، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ، فَابْتَدَأْتُ بِتَهْنِئَتِهِ، وَأَعْلَمْتُهُ أَنِّي رَأَيْتُ بِبَابِهِ رَجُلَيْنِ؟ أَحَدَهُمَا وَافِدَ أَهْلِ السّنَدِ فَوَقَعَ عَلَيْهِ زَمْعٌ وَقَالَ: الآخَرَ وَافِدَ أَهْلِ إِفْرِيقِيَةِ بِسَمْعِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ فَقُلْتُ نَعَمْ! فَسَقَطَ الْمُشْطُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، كُلُّ شَيْءٍ بَائِدٌ سِوَاهُ، نَعَيْتُ وَاللَّهِ نَفْسِي: حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ الإِمَامُ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيَّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فِي مَدِينَتِي هَذِهِ وَافِدَانِ وَافِدُ السَّنَدِ، وَالآخَرُ وَافِدُ إِفْرِيقِيَةِ، بِسَمْعِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ وَبَيْعَتِهِمْ، فَلا يَمْضِي بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ حَتَّى أَمُوتَ. وَقَدْ أَتَانِي الْوَافِدَانِ، فَأَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ يَا عَمِّ فِي ابْنِ أَخِيكَ، فَقُلْتُ لَهُ: كَلا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَالَ: بَلَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَئِنْ كَانَتِ الدُّنْيَا حَبِيبَةً إِلَيَّ، فَصِحَّةُ الرِّوَايَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهَا، وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلا كُذِبْتُ، ثُمَّ نَهَضَ وَقَالَ لِي: لا تَرِمْ مِنْ مَكَانِكَ حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ، فَمَا غَابَ حِينًا حَتَّى أَذَّنَهُ الْمُؤَذِّنُونَ بِصَلاةِ الظُّهْرِ، فَخَرَجَ إِلَيَّ خَادِمٌ لَهُ فَأَمَرَنِي بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِدِ وَالصَّلاةِ بِالنَّاسِ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، وَرَجَعْتُ إِلَى مَوْضِعِي حَتَّى آذَنَهُ الْمُؤَذِّنُونَ بِصَلاةِ الْعَصْرِ، فَخَرَجَ إِلَيَّ الْخَادِمِ فَأَمَرَنِي بِالصَّلاةِ بِالنَّاسِ وَالرُّجُوعِ إِلَى مَوْضِعِي، فَفَعَلْتُ، ثُمَّ آذَنَهُ الْمُؤَذِّنُونَ بِصَلاةِ الْمَغْرِبِ، فَخَرَجَ الْخَادِمُ إِلَيَّ فَأَمَرَنِي بِمِثْلِ مَا كَانَ أَمَرَنِي بِهِ فِي صَلاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَى مَكَانِي، ثُمَّ آذَنَهُ الْمُؤَذِّنُونَ بِصَلاةِ الْعِشَاءِ فَخَرَجَ إِلَى الْخَادِمِ فَأَمَرَنِي بِمِثْلِ مَا كَانَ يَأْمُرُنِي بِهِ فَفَعَلْتُ مِثْلَ مَا كُنْتُ أَفْعَلُ، وَلَمْ أَزَلْ مُقِيمًا بِمَكَانِي إِلَى أَنْ مَرَّ اللَّيْلُ، وَوَجَبَتْ صَلاتُهُ، فَقُمْتُ فَتَنَفَّلْتُ حَتَّى فَرَغْتُ مِنْ صَلاةِ اللَّيْلِ وَالْوِتْرِ، إِلا بَقِيَّةً بَقِيَتْ مِنَ الْقُنُوتِ، فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ وَمَعَهُ كِتَابٌ فَدَفَعَهُ إِلَيَّ حِينَ سَلَّمْتُ، فَإِذَا هُوَ مُعَنْوَنٌ مَخْتُومٌ، مِنْ عِنْدِ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الرَّسُولِ وَالأَوْلِيَاءِ وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ: يَا عَمِّ ارْكَبْ فِي غَدٍ فَصَلِّ بِالنَّاسِ فِي الْمُصَلَّى، وَانْحَرْ وَأَخْبِرْ بِعِلَّةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَكْثِرْ لُزُومَكَ دَارَهُ، فَإِذَا قَضَى نَحْبَهُ فَاكْتُمْ وَفَاتَهُ حَتَّى يُقْرَأَ هَذَا الْكِتَابُ عَلَى النَّاسِ، وَتَأْخُذَ عَلَيْهِمُ الْبَيْعَةَ لِلْمُسَمَّى فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَإِذَا أَخَذْتَهَا وَاسْتَحْلَفْتَ النَّاسَ عَلَيْهَا بِمُؤَكِّدَاتِ الأَيْمَانِ، فَانْعِ إِلَيْهِمْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَهِّزْهُ وَتَوَلَّ الصَّلاةَ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرِفْ فِي حِفْظِ اللَّهِ وَتَأَهَّبْ لِرُكُوبِكَ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ وَجَدْتَ عِلَّةً؟ قَالَ: يَا عَمِّ وَأَيُّ عِلَّةٍ هي
أَقْوَى وَأَصْدَقُ مِنَ الْخَبَرِ الصَّادِقِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!! فَأَخَذْتُ الْكِتَابَ وَنَهَضْتُ، فَمَا مَشَيْتُ إِلا خُطًى حَتَّى هَتَفَ بِي فأمرني بالرجوع فرجعت وقال لي: اللَّهَ قَدْ أَلْبَسَكَ كَمَالًا أَكْرَهُ أَنْ يَحُطَّكَ النَّاسُ فِيهِ، وَكِتَابِي الَّذِي فِي يَدِكَ مَخْتُومٌ، وَسَيَقُولُ مَنْ يَحْسُدُكَ عَلَى مَا جَرَى عَلَى يَدَيْكَ مِنْ هَذَا الأَمْرِ الْجَلِيلِ أَنَّكَ إِنَّمَا وَفَّيْتَ لِلْمُسَمَّى فِي هَذَا الْكِتَابِ لأَنَّ الْكِتَابَ كَانَ مَخْتُومًا، وَقَدْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْكَ خَاتَمَهُ لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ أَلْسِنَةَ الْحَسَدَةِ عَنْكَ، فَخُذِ الْخَاتَمَ فو الله لَتَفِيَنَّ لِلْمُسَمَّى فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَلَيَلِيَنَّ الْخِلافَةَ، ما كذبت ولا كذّبت، وانصرف وَتَأَهَّبْتُ لِلرُّكُوبِ، فَرَكِبْتُ وَرَكِبَ مَعِي النَّاسُ، حَتَّى صَلَّيْتُ بِأَهْلِ الْعَسْكَرِ، وَنَحَرْتُ وَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ. فَسَأَلْتُهُ عَنْ خَبَرِهِ فَقَالَ: خَبَرُ مَا به الموت لا مَحَالَةَ، فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ وَجَدْتَ شَيْئًا؟ فَأَنْكَرَ عَلَيَّ قَوْلِي، وَكَشَّرَ فِي وَجْهِي وَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ أَقُولُ لَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال إنه يموت، فَتَسْأَلنِي عَمَّا أَجِدُ! لا تَعُدْ لِمِثْلِ هَذَا الَّذِي كَانَ مِنْكَ، ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ عَشِيَّةَ يَوْمِ الْعِيدِ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ مَنْ عَايَنَتْهُ عَيْنَايَ وَجْهًا، فَرَأَيْتُهُ فِي تِلْكَ الْعَشِيَّةَ وَقَدْ حَدَثَتْ فِي وَجْهِهِ وَرْدِيَّةٌ لَمْ أَكُنْ أَعْهَدُهَا، فَزَادَتْ وَجْهَهُ كَمَالًا، ثُمَّ بَصَرْتُ بِإِحْدَى وَجْنَتَيْهِ فِي الْحُمْرَةِ حَبَّةً مِثْلَ حَبَّةِ الْخَرْدَلِ بَيْضَاءَ، فَارْتَبْتُ بِهَا، ثُمَّ صَوَّبْتُ بِطَرَفِي إِلَى الْوَجْنَةِ الأُخْرَى فَوَجَدْتُ فِيهَا حَبَّةً أُخْرَى، ثُمَّ أَعَدْتُ نظري إلى الوجنة التي عاينتها بديا فَرَأَيْتُ الْحَبَّةَ قَدْ صَارَتِ اثْنَتَيْنِ، ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أَرَى الْحَبَّ يَزْدَادُ حَتَّى رَأَيْتُ فِي كُلِّ جَانِبٍ مِنْ وَجْنَتَيْهِ مِقْدَارَ الدِّينَارِ حَبًّا أَبْيَضَ صِغَارًا، فَانْصَرَفْتُ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، وَغَلَّسْتُ غَدَاةَ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ هَجَرَ وَذَهَبْتُ عَنْهُ مَعْرِفَتِي وَمَعْرِفَةَ غَيْرِي، فَرُحْتُ إِلَيْهِ بِالْعَشِيِّ فَوَجَدْتُهُ قَدْ صَارَ مِثْلَ الزِّقِّ الْمَنْفُوخِ، وَتُوُفِّيَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَسَجَّيْتُهُ كَمَا أَمَرَنِي وَخَرَجْتُ إِلَى النَّاسِ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ وَكَانَ فِيهِ: من عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الرَّسُولِ وَالأَوْلِيَاءِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ قَلَّدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْخِلافَةَ عَلَيْكُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَخَاهُ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، وَقَدْ قَلَّدَ الْخِلافَةَ من بعد، عبد الله بْنَ مُوسَى- إِنْ كَانَ-. قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى: قَالَ لِي أَبِي: مَا نَزَلْتُ عَنِ الْمِنْبَرِ حَتَّى وَقَعَ الاخْتِلافُ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا كتب به أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي عِيسَى بْنِ مُوسَى- إِنْ كان- فقال، فَقَالَ قَوْمٌ أَرَادَ بِقَوْلِهِ، لَهَا مَوْضِعًا، وَقَالَ آخَرُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ إِنْ كَانَ هَذَا لا يَكُونُ، ثُمَّ أَخَذْتُ الْبَيْعَةَ عَلَى النَّاسِ وَجَهَّزْتُهُ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْهِ وَدَفَنْتُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سنة ست وثلاثين ومائة
فَقَالَ الرَّشِيدُ: هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ، مَا غَادَرَ إِسْحَاقُ مِنْ حَدِيثِ أَبِيهِ حَرْفًا وَاحِدًا، فَاسْتَكْثِرُوا مِنَ الاسْتِمَاعِ مِنْهُ، فَنِعْمَ حَامِلَ الْعِلْمِ هُوَ

عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العنبري

Details of عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العنبري (hadith transmitter) in 1 biographical dictionary by the author Al-Dhahabī
Al-Dhahabī (d. 1348 CE) - Siyar aʿlām al-nubalāʾ الذهبي - سير أعلام النبلاء
Permalink (الرابط القصير إلى هذا المقطع):
https://hadithtransmitters.hawramani.com/?p=156241&book=5566#be852b
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيِّ بنِ حَسَّانِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ العَنْبَرِيُّ
الإِمَامُ، النَّاقِدُ، المُجَوِّدُ، سَيِّدُ
الحُفَّاظِ، أَبُو سَعِيْدٍ العَنْبَرِيُّ -وَقِيْلَ: الأَزْدِيُّ - مَوْلاَهُمْ، البَصْرِيُّ، اللُّؤْلُؤِيُّ.
وُلِدَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلاَثِيْنَ وَمائَةٍ.
قَالَهُ: أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ.
وَطَلَبَ هَذَا الشَّأْنَ وَهُوَ ابْنُ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.
سَمِعَ: أَيْمَنَ بنَ نَابِلٍ، وَعُمَرَ بنَ أَبِي زَائِدَةَ، وَمُعَاوِيَةَ بنَ صَالِحٍ الحَضْرَمِيَّ، وَهِشَامَ بنَ أَبِي عَبْدِ اللهِ الدَّسْتُوَائِيَّ، وَإِسْمَاعِيْلَ بنَ مُسْلِمٍ العَبْدِيَّ قَاضِي جَزِيْرَةَ قَيْسٍ، وَأَبَا خَلْدَةَ خَالِدَ بنَ دِيْنَارٍ، وَسُفْيَانَ، وَشُعْبَةَ، وَالمَسْعُوْدِيَّ، وَعَبْدَ اللهِ بنَ بُدَيْلِ بنِ وَرْقَاءَ، وَأَبَا يَعْلَى عَبْدَ اللهِ بنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الثَّقَفِيَّ، وَعَبْدَ الجَلِيْلِ بنَ عَطِيَّةَ البَصْرِيَّ، وَعِكْرِمَةَ بنَ عَمَّارٍ، وَعَلِيَّ بنَ مَسْعَدَةَ البَاهِلِيَّ، وَعِمْرَانَ القَطَّانَ، وَالمُثَنَّى بنَ سَعِيْدٍ الضُّبَعِيَّ، وَيُوْنُسَ بنَ أَبِي إِسْحَاقَ، وَأَبَا حُرَّةَ وَاصِلَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَحَمَّادَ بنَ سَلَمَةَ، وَأَبَانَ بنَ يَزِيْدَ، وَمَالِكَ بنَ أَنَسٍ، وَعَبْدَ العَزِيْزِ بنَ المَاجَشُوْنِ، وَأُمَماً سِوَاهُم.
حَدَّثَ عَنْهُ: ابْنُ المُبَارَكِ، وَابْنُ وَهْبٍ - وَهُمَا مِنْ شُيُوْخِهِ - وَعَلِيٌّ، وَيَحْيَى، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَبُنْدَارُ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَأَحْمَدُ بنُ سِنَانٍ، وَالقَوَارِيْرِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ هَاشِمٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عُمَرَ رُسْتَةُ، وَمُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى، وَهَارُوْنُ بنُ سُلَيْمَانَ الأَصْبَهَانِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُحَمَّدٍ الحَارِثِيُّ كُرْبُزَانُ، وَمُحَمَّدُ بنُ مَاهَانَ زَنْبَقَةُ، وَخَلْقٌ يَتَعَذَّرُ حَصْرُهُم.
وَكَانَ إِمَاماً، حُجَّةً، قُدوَةً فِي العِلْمِ وَالعَمَلِ.قَالَ الخَلِيْلِيُّ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: لاَ أَعْرِفُ لَهُ نَظِيْراً فِي هَذَا الشَّأْنِ.
قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَفْقَهُ مِنْ يَحْيَى القَطَّانِ.
وَقَالَ: إِذَا اخْتَلَفَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَوَكِيْعٌ، فَعَبْدُ الرَّحْمَنِ أَثْبَتُ؛ لأَنَّهُ أَقْرَبُ عَهداً بِالكِتَابِ، وَاخْتَلَفَا فِي نَحْوٍ مِنْ خَمْسِيْنَ حَدِيْثاً لِلثَّوْرِيِّ.
قَالَ: فَنَظَرْنَا، فَإِذَا عَامَّةُ الصَّوَابِ فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
قَالَ أَيُّوْبُ بنُ المُتَوَكِّلِ: كُنَّا إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَنْظُرَ إِلَى الدِّيْنِ وَالدُّنْيَا، ذَهَبْنَا إِلَى دَارِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ.
إِسْمَاعِيْلُ القَاضِي: سَمِعْتُ ابْنَ المَدِيْنِيِّ يَقُوْلُ: أَعْلَمُ النَّاسِ بِالحَدِيْثِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ.
قُلْتُ لَهُ: قَدْ كَتَبتُ حَدِيْثَ الأَعْمَشِ، وَكُنْتُ عِنْدَ نَفْسِي أَنَّنِي قَدْ بَلَغتُ فِيْهَا، فَقُلْتُ: وَمَنْ يُفِيْدُنِي عَنِ الأَعْمَشِ.
فَقَالَ لِي: مَنْ يُفِيْدُكَ عَنِ الأَعْمَشِ؟
قُلْتُ: نَعَمْ.
فَأَطرَقَ، ثُمَّ ذَكَرَ ثَلاَثِيْنَ حَدِيْثاً لَيْسَتْ عِنْدِي، يَتَّبِعُ أَحَادِيْثَ الشُّيُوْخِ الَّذِيْنَ لَمْ أَلْقَهُم أَنَا، وَلَمْ أَكْتُبْ حَدِيْثَهُم نَازِلاً.
قَالَ إِسْمَاعِيْلُ: أَحْفَظُ مِنْ ذَلِكَ مَنْصُوْرُ بنُ أَبِي الأَسْوَدِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَتْقَنَ لِمَا سَمِعَ، وَلِمَا لَمْ يَسْمَعْ، وَلِحَدِيْثِ النَّاسِ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ، إِمَامٌ،
ثَبْتٌ، أَثْبَتُ مَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيْدٍ، وَأَتْقَنُ مِنْ وَكِيْعٍ، كَانَ عَرَضَ حَدِيْثَهُ عَلَى سُفْيَانَ.قَالَ عُبَيْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ القَوَارِيْرِيُّ: أَمْلَى عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عِشْرِيْنَ أَلْفَ حَدِيْثٍ حِفْظاً.
وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ بنُ سَعِيْدٍ: سَمِعْتُ ابْنَ مَهْدِيٍّ يَقُوْلُ:
لاَ يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ الرَّجُلُ إِمَاماً، حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَصِحُّ مِمَّا لاَ يَصِحُّ.
قَالَ عَلِيُّ بنُ المَدِيْنِيِّ: كَانَ عِلْمُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الحَدِيْثِ كَالسِّحرِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَقُوْلُ:
مَا تَرَكتُ حَدِيْثَ رَجُلٍ إِلاَّ دعوَتُ اللهَ لَهُ، وَأُسَمِّيهِ.
قَالَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ زِيَادٍ سَبَلاَنُ : قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ: مَا تَقُوْلُ فِيْمَنْ يَقُوْلُ: القُرْآنُ مَخْلُوْقٌ؟
فَقَالَ: لَوْ كَانَ لِي سُلْطَانٌ، لَقُمْتُ عَلَى الجِسْرِ، فَلاَ يَمُرُّ بِي أَحَدٌ إِلاَّ سَأَلتُهُ، فَإِذَا قَالَ: مَخْلُوْقٌ، ضَرَبتُ عُنُقَهُ، وَأَلقَيْتُهُ فِي المَاءِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ: الْتَقَى وَكِيْعٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي الحَرَمِ بَعْدَ العِشَاءِ، فَتَوَاقَفَا، حَتَّى سَمِعَا أَذَانَ الصُّبْحِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ: لَوْلاَ أَنِّي أَكرَهُ أَنْ يُعْصَى اللهُ، لَتَمَنَّيْتُ
أَنْ لاَ يَبْقَى أَحَدٌ فِي المِصْرِ إِلاَّ اغْتَابَنِي! أَيُّ شَيْءٍ أَهنَأُ مِنْ حَسَنَةٍ يَجِدُهَا الرَّجُلُ فِي صَحِيْفَتِهِ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا.وَعَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ أَجلِسُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَإِذَا كَثُرَ النَّاسُ، فَرِحتُ، وَإِذَا قَلُّوا حَزِنْتُ، فَسَأَلْتُ بِشْرَ بنَ مَنْصُوْرٍ، فَقَالَ: هَذَا مَجْلِسُ سُوءٍ، فَلاَ تَعُدْ إِلَيْهِ، فَمَا عُدْتُ إِلَيْهِ.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ رُسْتَه: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ، أَنَّ أَبَاهُ قَامَ لَيْلَةً، وَكَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ كُلَّهُ.
قَالَ: فَلَمَّا طَلَعَ الفَجْرُ، رَمَى بِنَفْسِهِ عَلَى الفِرَاشِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَلَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ، فَجَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لاَ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَرْضِ شَيْئاً شَهْرَيْنِ، فَقَرَّحَ فَخِذَاهُ جَمِيْعاً.
وَقَالَ رُسْتَه: سَمِعْتُ ابْنَ مَهْدِيٍّ يَقُوْلُ لِفَتَىً مِنْ وَلَدِ الأَمِيْرِ جَعْفَرِ بنِ سُلَيْمَانَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَتَكَلَّمُ فِي الرَّبِّ وَتَصِفُهُ وَتُشَبِّهُهُ.
قَالَ: نَعَمْ، نَظَرْنَا، فَلَمْ نَرَ مِنْ خَلْقِ اللهِ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنَ الإِنْسَانِ.
فَأَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِي الصِّفَةِ وَالقَامَةِ، فَقَالَ لَهُ: رُوَيْدَكَ يَا بُنَيَّ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوَّلَ شَيْءٍ فِي المَخْلُوْقِ، فَإِنْ عَجَزْنَا عَنْهُ، فَنَحْنُ عَنِ الخَالِقِ أَعْجَزُ، أَخْبِرْنِي عَمَّا حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ سَعِيْدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى} [النَّجْمُ: 18] .
قَالَ: رَأَى جِبْرِيْلَ لَهُ سِتُّ مائَةِ جَنَاحٍ، فَبَقِيَ الغُلاَمُ يَنْظُرُ، فَقَالَ: أَنَا أُهَوِّنُ عَلَيْكَ، صِفْ لِي خَلْقاً
لَهُ ثَلاَثَةُ أَجْنِحَةٍ، وَرُكِّبَ الجَنَاحُ الثَّالِثُ مِنْهُ مَوْضِعاً حَتَّى أَعْلَمَ.قَالَ: يَا أَبَا سَعِيْدٍ، عَجَزْنَا عَنْ صِفَةِ المَخْلُوْقِ، فَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ عَجَزْتُ وَرَجَعْتُ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: سُئِلَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ عَنْ يَحْيَى، وَابْنِ مَهْدِيٍّ، فَقَالَ: ابْنُ مَهْدِيٍّ أَكْثَرُ حَدِيْثاً.
قَالَ أَحْمَدُ العِجْلِيُّ: شَرِبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ البَلاَذرَ، وَكَذَا الطَّيَالِسِيُّ، فَبَرِصَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَجُذِمَ الآخَرُ.
قَالَ: وَقِيْلَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ: يَغْفِرُ لَكَ ذَنْباً، أَوْ تَحْفَظُ حَدِيْثاً؟
قَالَ: أَحْفَظُ حَدِيْثاً.
أَبُو الرَّبِيْعِ الزَّهْرَانِيُّ: سَمِعْتُ جَرِيْراً الرَّازِيَّ يَقُوْلُ:
مَا رَأَيْتُ مِثْلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ ... ، وَوَصَفَ حِفْظَهُ وَبَصَرَهُ بِالحَدِيْثِ.
قَالَ نُعَيْمُ بنُ حَمَّادٍ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ: كَيْفَ تَعرِفُ الكَذَّابَ؟
قَالَ: كَمَا يَعْرِفُ الطَّبِيْبُ المَجْنُوْنَ.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي صَفْوَانَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بنَ المَدِيْنِيِّ يَقُوْلُ: لَوْ
أُخِذْتُ، فَحُلِّفْتُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ، لَحَلَفتُ بِاللهِ أَنِّي لَمْ أَرَ أَحَداً قَطُّ أَعْلَمَ بِالحَدِيْثِ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ.سَمِعَهُ: أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ مِنْهُ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ قَيْمَازَ، وَغَيْرُهُ، قَالُوا:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ اللَّتِّيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الوَقْتِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الجَبَّارِ الجَرَّاحِيُّ، أَخْبَرْنَا ابْنُ مَحْبُوْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عِيْسَى التِّرْمِذِيُّ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ عَمْرِو بنِ نَبْهَانَ بنِ صَفْوَانَ الثَّقَفِيَّ، سَمِعْتُ عَلِيَّ بنَ المَدِيْنِيِّ يَقُوْلُ:
لَوْ حُلِّفتُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ، لَحَلَفْتُ أَنِّي لَمْ أَرَ أَحَداً أَعْلَمَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ.
وَبِهِ إِلَى التِّرْمِذِيِّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ الحَسَنِ، قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ:
مَا رَأَيْتُ بِعَيْنَيَّ مِثْلَ يَحْيَى بنِ سَعِيْدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ إِمَامٌ.
وَقَالَ زِيَادُ بنُ أَيُّوْبَ الطُّوْسِيُّ: قُمْنَا مِنْ مَجْلِسِ هُشَيْمٍ، فَأَخَذَ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِيْنٍ، وَأَصْحَابُهُ بِيَدِ فَتَىً، فَأَدخَلُوْهُ مَسْجِداً، وَكَتَبْنَا عَنْهُ، فَإِذَا الفَتَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ.
مُحَمَّدُ بنُ عِيْسَى الطَّرَسُوْسِيُّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ رُسْتَه يَقُوْلُ:
كَانَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ جَارِيَةٌ، فَطَلَبَهَا مِنْهُ رَجُلٌ، فَكَانَ مِنْهُ شِبْهُ العِدَةِ، فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهِ، قِيْلَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا صَاحِبُ الخُصُوْمَاتِ.
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُخَاصِمُ فِي الدِّيْنِ.فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيْدٍ! إِنَّا نَضَعُ عَلَيْهِم لِنُحَاجَّهُم بِهَا.
فَقَالَ: أَتَدفَعُ البَاطِلَ بِالبَاطِلِ؟ إِنَّمَا تَدْفَعُ كَلاَماً بِكَلاَمٍ، قُمْ عَنِّي، وَاللهِ لاَ بِعْتُكَ جَارِيَتِي أَبَداً.
قَالَ ابْنُ المَدِيْنِيِّ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اترُكْ مَنْ كَانَ رَأْساً فِي بِدْعَةٍ يَدعُو إِلَيْهَا.
وَقَالَ ابْنُ المَدِيْنِيِّ: دَخَلْتُ عَلَى امْرَأَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ - وَكُنْتُ أَزُورُهَا بَعْد مَوْتِهِ - فَرَأَيْتُ سَوَاداً فِي القِبْلَةِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟
قَالَتْ: مَوْضِعُ اسْتِرَاحَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، فَإِذَا غَلَبَهُ النَّومُ، وَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ.
وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ: مَنْ طَلَبَ العَرَبِيَّةَ، فَآخِرُهُ مُؤَدِّبٌ، وَمَنْ طَلَبَ الشِّعْرَ، فَآخِرُهُ شَاعِرٌ يَهْجُو أَوْ يَمْدَحُ بِالبَاطِلِ، وَمَنْ طَلَبَ الكَلاَمَ، فَآخِرُ أَمرِهِ الزَّنْدَقَةُ، وَمَنْ طَلَبَ الحَدِيْثَ، فَإِنْ قَامَ بِهِ، كَانَ إِمَاماً، وَإِنْ فَرَّطَ ثُمَّ أَنَابَ يَوْماً، يُرْجَعُ إِلَيْهِ، وَقَدْ عَتُقَتْ وَجَادَتْ.
قَالَ يَحْيَى بنُ يَحْيَى: كُنْتُ أَسْأَلُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَنِ المَشَايِخِ بِالبَصْرَةِ.
وَنَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ:
إِنَّ الجَهْمِيَّةَ أَرَادُوا أَنْ يَنْفُوا أَنْ يَكُوْنَ اللهُ كَلَّمَ مُوْسَى، وَأَنْ يَكُوْنَ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ،
أَرَى أَنْ يُسْتَتَابُوا، فَإِنْ تَابُوا، وَإِلاَّ ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُم.قَالَ ابْنُ المَدِيْنِيِّ: ثُمَّ كَانَ بَعْدَ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ يَذْهَبُ مَذْهَبَ تَابِعِي أَهْلِ المَدِيْنَةِ، وَيَقْتَدِي بِطَرِيْقَتِهِم، وَقَالَ:
نَظَرْتُ فَإِذَا الإِسْنَادُ يَدُورُ عَلَى سِتَّةٍ، ثُمَّ صَارَ عِلْمُهُم إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ نَفْساً، ثُمَّ صَارَ عِلْمُهُم إِلَى: يَحْيَى بنِ سَعِيْدٍ، وَيَحْيَى بنِ زَكَرِيَّا بنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَوَكِيْعٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ، وَيَحْيَى بنِ آدَمَ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَأَوْثَقُ أَصْحَابِ سُفْيَانَ: يَحْيَى القَطَّانُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ.
قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثِقَةٌ، خِيَارٌ، صَالِحٌ، مُسْلِمٌ، مِنْ مَعَادِنِ الصِّدْقِ.
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: كَانَ أَبُو الأَسْوَدِ يَتِيْمُ عُرْوَةَ، أَخاً لِهِشَامِ بنِ عُرْوَةَ مِنْ
الرَّضَاعَةِ.وَقَدْ قَالَ هِشَامٌ: حَدَّثَنَا أَخِي مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ نَوْفَلٍ، عَنْ أَبِي، قَالَ:
لَمْ يَزَلْ أَمرُ بَنِي إِسْرَائِيْلَ مُعْتَدِلاً حَتَّى نَشَأَ فِيْهِم أَبْنَاءُ سَبَايَا الأُمَمِ، فَقَالُوا فِيْهِم بِالرَّأْيِ، فَضَلُّوا، وَأَضَلُّوا.
قَالَ أَيُّوْبُ بنُ المُتَوَكِّلِ: كَانَ حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ إِذَا نَظَرَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ فِي مَجْلِسِهِ، تَهَلَّلَ وَجْهُهُ.
وَقَالَ صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ المَرْوَزِيُّ الحَافِظُ: أَتَيْتُ يَحْيَى بنَ سَعِيْدٍ أَسْأَلُهُ، فَقَالَ لِي: الْزَمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ مَهْدِيٍّ.
وَأَفَادَنِي عَنْهُ أَحَادِيْثَ، فَسَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَنْهَا، فَحَدَّثَنِي بِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ بنُ سِنَانٍ القَطَّانُ: سَمِعْتُ مَهْدِيَّ بنَ حَسَّانٍ يَقُوْلُ:
كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَكُوْنُ عِنْدَ سُفْيَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَإِذَا جَاءنَا سَاعَةً، جَاءَ رَسُوْلُ سُفْيَانَ فِي أَثَرِهِ يَطْلُبُهُ، فَيَدَعُنَا، وَيَذْهَبُ إِلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ بنُ سِنَانٍ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَقُوْلُ:
أَفْتَى سُفْيَانُ فِي مَسْأَلَةٍ، فَرَآنِي كَأَنِّيْ أَنْكَرتُ فُتْيَاهُ، فَقَالَ: أَنْتَ مَا تَقُوْلُ؟
قُلْتُ: كَذَا وَكَذَا، خِلاَفَ قَوْلِهِ، فَسَكَتَ.
قَالَ ابْنُ المَدِيْنِيِّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ لِي سُفْيَانُ: لَوْ أَنَّ عِنْدِي كُتُبِي، لأَفَدْتُكَ عِلْماً.
قَالَ أَحْمَدُ بنُ سِنَانٍ: كَانَ لاَ يُتَحَدَّثُ فِي مَجْلِسِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَلاَ يُبْرَى قَلَمٌ، وَلاَ يَتَبَسَّمُ أَحَدٌ، وَلاَ يَقُوْمُ أَحَدٌ قَائِماً، كَأَنَّ عَلَى رُؤُوْسِهِمُ الطَّيرَ،
أَوْ كَأَنَّهُم فِي صَلاَةٍ، فَإِذَا رَأَى أَحَداً مِنْهُم تَبَسَّمَ، أَوْ تَحَدَّثَ، لَبِسَ نَعْلَهُ، وَخَرَجَ. وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ سِنَانٍ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَقُوْلُ:
عِنْدِي عَنِ المُغِيْرَةِ بنِ شُعْبَةَ فِي المَسْحِ عَلَى الخُفَّينِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ حَدِيْثاً -يَعْنِي: الطُّرَقَ-.
قَالَ بُنْدَارُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَقُوْلُ:
لَوِ اسْتَقبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَكَتَبْتُ تَفْسِيْرَ الحَدِيْثِ إِلَى جَنْبِهِ، وَلأَتَيْتُ المَدِيْنَةَ حَتَّى أَنْظُرَ فِي كُتُبِ قَوْمٍ سَمِعْتُ مِنْهُم.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيْمِ صَاعِقَةُ: سَمِعْتُ عَلِيّاً يَقُوْلُ - وَذَكَرَ الفُقَهَاءَ السَّبْعَةَ - فَقَالَ:
كَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِقَوْلِهِم وَحَدِيْثِهِم: ابْنُ شِهَابٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ مَالِكٌ، ثُمَّ بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: إِذَا حَدَّثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ رَجُلٍ، فَهُوَ ثِقَةٌ.وَقَالَ عَلِيٌّ: كَانَ وِرْدُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كُلَّ لَيْلَةٍ نِصْفَ القُرْآنِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ: مَا رَأَيْتُ فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ كِتَاباً قَطُّ -يَعْنِي: كَانَ يُحَدِّثُ حِفْظاً -.
وَقَالَ رُسْتَه: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَقُوْلُ:
كَانَ يُقَالُ: إِذَا لَقِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَوْقَهُ فِي العلمِ، فَهُوَ يَوْمُ غَنِيمَتِهِ، وَإِذَا لَقِيَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ، دَارَسَهُ، وَتَعَلَّمَ مِنْهُ، وَإِذَا لَقِيَ مَنْ هُوَ دُوْنَهُ، تَوَاضَعَ لَهُ، وَعَلَّمَهُ، وَلاَ يَكُوْنُ إِمَاماً فِي العِلمِ مَنْ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلاَ يَكُوْنُ إِمَاماً مَنْ حَدَّثَ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَلاَ مَنْ يُحَدِّثُ بِالشَّاذِّ، وَالحِفْظُ لِلإِتْقَانِ.
وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ: مَعْرِفَةُ الحَدِيْثِ إِلهَامٌ.
قَالَ يُوْسُفُ بنُ ضَحَّاكٍ: سَمِعْتُ القَوَارِيْرِيَّ يَقُوْلُ: كَانَ ابْنُ مَهْدِيٍّ يَعْرِفُ حَدِيْثَهُ وَحَدِيْثَ غَيْرِهِ.
وَكَانَ يَحْيَى القَطَّانُ يَعْرِفُ حَدِيْثَهُ، فَسَمِعْتُ
حَمَّادَ بنَ زَيْدٍ يَقُوْلُ:لَئِنْ عَاشَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ، لَنُخَرِّجَنَّ رَجُلَ أَهْلِ البَصْرَةِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي الأَسْوَدِ: سَمِعْتُ ابْنَ مَهْدِيٍّ يَقُوْلُ بِحَضرَةِ يَحْيَى القَطَّانِ - وَذَكَرَ الجَهْمِيَّةَ - فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُنَاكِحَهُم، وَلاَ أُصَلِّيَ خَلْفَهُم.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عُمَرَ رُسْتَه: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَقُوْلُ:
الجَهْمِيَّةُ يُرِيْدُوْنَ أَنْ يَنفُوا الكَلاَمَ عَنِ اللهِ، وَأَنْ يَكُوْنَ القُرْآنُ كَلاَمَ اللهِ، وَأَنْ يَكُوْنَ كَلَّمَ مُوْسَى، وَقَدْ وَكَّدَهُ اللهُ -تَعَالَى- فَقَالَ: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوْسَى تَكْلِيْماً } [النِّسَاءُ: 164] .
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ رُسْتَه: سَأَلْتُ ابْنَ مَهْدِيٍّ عَنِ الرَّجُلِ يَبنِي بِأَهْلِهِ، أَيَترُكُ الجَمَاعَةَ أَيَّاماً؟
قَالَ: لاَ، وَلاَ صَلاَةً وَاحِدَةً.
وَحَضَرْتُهُ صَبِيْحَةَ بُنِي عَلَى ابْنَتِهِ، فَخَرَجَ، فَأَذَّنَ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَابِهِمَا، فَقَالَ لِلْجَارِيَةِ: قُوْلِي لَهُمَا: يَخْرُجَانِ إِلَى الصَّلاَةِ.
فَخَرَجَ النِّسَاءُ وَالجَوَارِي، فَقُلْنَ: سُبْحَانَ اللهِ! أَيُّ شَيْءٍ هَذَا؟
فَقَالَ: لاَ أَبرَحُ حَتَّى يَخْرُجَا إِلَى الصَّلاَةِ.
فَخَرَجَا بَعْدَ مَا صَلَّى، فَبَعَثَ بِهِمَا إِلَى مَسْجِدٍ خَارِجٍ مِنَ الدَّرْبِ.
قُلْتُ: هَكَذَا كَانَ السَّلَفُ فِي الحِرْصِ عَلَى الخَيْرِ.
قَالَ رُسْتَه: وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَحُجُّ كُلَّ عَامٍ، فَمَاتَ أَخُوْهُ، وَأَوْصَى إِلَيْهِ، فَأَقَامَ عَلَى أَيْتَامِهِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ:
قَدِ ابْتُلِيْتُ بِهَؤُلاَءِ الأَيْتَامِ،
فَاسْتَقرَضْتُ مِنْ يَحْيَى بنِ سَعِيْدٍ أَرْبَعَ مائَةِ دِيْنَارٍ احْتَجتُ إِلَيْهَا فِي مَصْلَحَةِ أَرْضِهِم.ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ الحَافِظُ لابْنِ مَهْدِيٍّ فِي (الحِلْيَةِ) تَرْجَمَةً طَوِيْلَةً جِدّاً، فَرَوَى فِيْهَا مِنْ حَدِيْثِهِ مائَتَيْنِ وَثَمَانِيْنَ حَدِيْثاً، وَقَدْ لَحِقَ صِغَارَ التَّابِعِيْنَ: كَأَيْمَنَ بنِ نَابِلٍ، وَصَالِحِ بنِ دِرْهَمٍ، وَيَزِيْدَ بنِ أَبِي صَالِحٍ، وَجَرِيْرِ بنِ حَازِمٍ.
وَكَانَ قَدِ ارْتَحَلَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ مِنَ البَصْرَةِ، فَحَدَّثَ بِأَصْبَهَانَ.
قَالَ بُنْدَارُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَقُوْلُ:
مَا نَعرِفُ كِتَاباً فِي الإِسْلاَمِ بَعْدَ كِتَابِ اللهِ أَصَحَّ مِنْ (مُوَطَّأِ مَالِكٍ) .
وَقَالَ رُسْتَه: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَقُوْلُ:
أَئِمَّةُ النَّاسِ فِي زَمَانِهِم: سُفْيَانُ بِالكُوْفَةِ، وَحَمَّادُ بنُ زَيْدٍ بِالبَصْرَةِ، وَمَالِكٌ بِالحِجَازِ، وَالأَوْزَاعِيُّ بِالشَّامِ.
أَبُو حَاتِمٍ بنُ حِبَّانَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بنُ مُحَمَّدٍ الهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ مَهْدِيٍّ يَقُوْلُ:
حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَكَانَ ثِقَةً؟
فَقَالَ: كَانَ صَدُوْقاً، وَكَانَ خِيَاراً، وَكَانَ مَأْمُوْناً، الثِّقَةُ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ.
ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ سِنَانٍ، سَمِعْتُ ابْنَ مَهْدِيٍّ يَقُوْلُ:
لَزِمتُ مَالِكاً حَتَّى مَلَّنِي.
فَقُلْتُ يَوْماً: قَدْ غِبْتُ عَنْ أَهْلِي هَذِهِ الغَيْبَةَ الطَّوِيْلَةَ، وَلاَ أَعْلَمُ مَا حَدَثَ بِهِم بَعْدِي.
قَالَ: يَا بُنَيَّ، وَأَنَا بِالقُربِ مِنْ أَهْلِي، وَلاَ أَدْرِي مَا حَدَثَ بِهِم مُنْذُ خَرَجْتُ.
قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَدْرِ كِتَابِهِ فِي (الضُّعَفَاءِ) : إِلاَّ أَنَّ مِنْ أَكْثَرِهِم تَنْقِيْراً عَنْ شَأْنِ المُحَدِّثِيْنَ، وَأَتْرَكِهِم لِلضُّعَفَاءِ وَالمَتْرُوْكِيْنَ، حَتَّى يَجْعَلَهُ لِهَذَا الشَّأْنِ صِنَاعَةً لَهُم لَمْ يَتَعَدَّوْهَا - مَعَ لُزُومِ الدِّيْنِ وَالوَرَعِ الشَّدِيْدِ، وَالتَّفَقُّهِ فِي السُّنَنِ - رَجُلَيْنِ : يَحْيَى بنَ سَعِيْدٍ القَطَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ مَهْدِيٍّ.قَالَ سَهْلُ بنُ صَالِحٍ: سَمِعْتُ يَزِيْدَ بنَ هَارُوْنَ يَقُوْلُ:
وَقَعتُ بَيْنَ أَسَدَيْنِ: عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ، وَيَحْيَى القَطَّانِ.
قُلْتُ: تُوُفِّيَ ابْنُ مَهْدِيٍّ بِالبَصْرَةِ، فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِيْنَ وَمائَةٍ.
وَعَاشَ أَبُوْهُ بَعْدَهُ، وَكَانَ شَيْخاً عَامِّيّاً، رُبَّمَا كَانَ يَمْزَحُ بِجَهْلٍ، وَيُشِيْرُ إِلَى الجَمَاعَةِ إِلَى ابْنِهِ، وَيُشِيْرُ إِلَى مَتَاعِهِ، فَيَقُوْلُ: هَذَا خَرَجَ مِنْ هَذَا.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ سَلْمٍ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ عُمَرَ، سَمِعْتُ ابْنَ مَهْدِيٍّ يَقُوْلُ:
فِتْنَةُ الحَدِيْثِ أَشَدُّ مِنْ فِتْنَةِ المَالِ وَالوَلَدِ.
قَالَ أَبُو قُدَامَةَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَهْدِيٍّ يَقُوْلُ:
لأَنْ أَعْرِفَ عِلَّةَ حَدِيْثٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَسْتَفِيْدَ عَشْرَةَ أَحَادِيْثَ.
قَالَ عَبْدُ اللهِ أَخُو رُسْتَه: سَمِعْتُ ابْنَ مَهْدِيٍّ يَقُوْلُ:
مُحَرَّمٌ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُفْتِيَ إِلاَّ فِي شَيْءٍ سَمِعَهُ مِنْ ثِقَةٍ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الجُلُوْسَ إِلَى ذِي هَوَىً، أَوْ ذِي رَأْيٍ.وَقَالَ رُسْتَه: قَامَ ابْنُ مَهْدِيٍّ مِنَ المَجْلِسِ، وَتَبِعَهُ النَّاسُ، فَقَالَ:
يَا قَوْمُ! لاَ تَطَؤُنَّ عَقِبِي، وَلاَ تَمْشُنَّ خَلْفِي، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الحَسَنِ، قَالَ عِمْرَانُ: خَفْقُ النِّعَالِ خَلْفَ الأَحْمَقِ قَلَّ مَا يُبقِي مِنْ دِيْنِهِ.
قَالَ رُسْتَه: سَأَلْتُ ابْنَ مَهْدِيٍّ عَنِ الرَّجُلِ يَتَمَنَّى المَوْتَ مَخَافَةَ الفِتْنَةِ عَلَى دِيْنِهِ؟
قَالَ: مَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْساً، لَكِنْ لاَ يَتَمَنَّاهُ مَنْ ضُرٍّ بِهِ، أَوْ فَاقَةٍ، تَمَنَّى المَوْتَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَنْ دُوْنَهُمَا.
وَسَمِعْتُ ابْنَ مَهْدِيٍّ يَقُوْلُ:
قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (دَعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيْبُكَ ) .
فَقُلْتُ: الآمِرُ رَجُلٌ.
فَقَالَ: خُذْ بِمَا لاَ يَرِيْبُكَ حَتَّى لاَ يُصِيْبَكَ مَا يَرِيْبُكَ -يَعْنِي: الحِيَلَ-.
وَبَلَغَنَا عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ: مَا هُوَ -يَعْنِي: الغَرَامَ بِطَلَبِ الحَدِيْثِ- إِلاَّ مِثْلُ لَعِبِ الحَمَامِ، وَنِطَاحِ الكِبَاشِ.
قُلْتُ: صَدَقَ -وَاللهِ- إِلاَّ لِمَنْ أَرَادَ بِهِ اللهَ، وَقَلِيْلٌ مَا هُم.
أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ، أَخْبَرَنَا القَاضِي جَمَالُ الدِّيْنِ
عَبْدُ الصَّمَدِ بنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بنُ المُسَلَّمِ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ بنُ طَلاَّبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ جُمَيْعٍ بِصَيْدَا، حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بنُ أَحْمَدَ بِبَغْدَادَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بنُ عَمْرٍو الرَّبَالِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِسْرَائِيْلَ، عَنْ عَبْدِ الكَرِيْمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى عَنِ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الآجُرِّيُّ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ يَقُوْلُ:
قَالَ أَحْمَدُ بنُ سِنَانٍ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ مَهْدِيٍّ يَقُوْلُ:
لَوْ كَانَ لِي عَلَيْهِ سُلْطَانٌ - عَلَى مَنْ يَقْرَأُ قِرَاءةَ حَمْزَةَ - لأَوْجَعْتُ ظَهْرَهُ وَبَطْنَهُ.
قُلْتُ: جَاءَ نَحْوُ هَذَا عَنْ جَمَاعَةٍ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَائِدٌ إِلَى مَا فِيْهَا مِنْ
قَبِيْلِ الأَدَاءِ - وَاللهُ أَعْلَمُ -.وَقَدِ اسْتَقَرَّ اليَوْمَ الإِجْمَاعُ عَلَى تَلَقِّي قِرَاءةِ حَمْزَةَ بِالقَبُولِ.

عبد الرحمن بن أحمد بن عطية

Details of عبد الرحمن بن أحمد بن عطية (hadith transmitter) in 1 biographical dictionary by the author Ibn Manẓūr
Ibn Manẓūr (d. 1311 CE) - Mukhtaṣar Tārīkh Dimashq ابن منظور - مختصر تاريخ دمشق
Permalink (الرابط القصير إلى هذا المقطع):
https://hadithtransmitters.hawramani.com/?p=151831&book=5531#b30af6
عبد الرحمن بن أحمد بن عطية
ويقال: عبد الرحمن بن عطية - ويقال: عبد الرحمن بن عسكر أبو سليمان العنسي الداراني الزاهد من صليبة العرب. وقيل: إن أصله من واسط.
قال أبو سليمان الداراني: سمعت علي بن الحسن بن أبي الربيع الزاهد يقول: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: سمعت ابن عجلان يذكر عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من صلى قبل الظهر أربعاً غفر له ذنوبه يومه ذلك قال أبو سليمان الداراني: اقام داود الطائي أربعاً وستين عزباً، فقيل له: كيف صبرت عن النساء؟! قال: قاسيت شهوتهن عند إدراكي سنة، ثم ذهبت شهوتهن من قلبي.
كان أبو سليمان أستاذ أحمد بن أبي الحواري، له الكلام المتين، والأحوال السنيات، والرياضات والسياحات، شهرته تغني عن الإكثار فيه.
وكان من أهل داريا، وهي ضيعة إلى جنب دمشق. كان أحد عباد الله الصالحين، ومن الزهاد المتعبدين. قدم إلى بغداد وأقام بها مدة، وعاد إلى الشام، فأقام بداريا حتى توفي. وهو العنسي بالنون.
حكي عن أبي سليمان قال: اختلفت إلى مجلس قاص، فاثر كلامه في قلبي. فلما قمت لم يبق في قلبي منه شيء، فعدت ثانياً فسمعت كلامه فبقي في قلبي كلامه في الطريق، ثم زال، ثم عدت ثالثاً فبقي أثر كلامه في قلبي حتى رجعت إلى منزلي، وكسرت آلات المخالفات ولزمت الطريق فحكى هذه الحكاية ليحيى بن معاذ فقال: عصفور اصطاد كركياً: أراد بالعصفور القاص وبالكركي أبا سليمان الداراني.
قال أبو جعفر محمد بن أحمد بن أبي المثنى الموصلي: رأيت أبا سليمان الداراني ببغداد سنة ثنتين ومئتين مخضوب اللحية، له شعيرة، في مسجد عبد الوهاب الخفاف، فقيل له: إن عبد الوهاب الخفاف يقول بشيء من القدر، فترك الصلاة في مسجده، وذهب إلى مسجد آخر. قال أبو جعفر: وإني لأرجو برؤيته خيراً.
وقال أبو سليمان: صل خلف كل صاحب بدعة إلا القدري، لا تصل خلفه وإن كان سلطاناً. قال أحمد: وبه نأخذ.
قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: صليت وخلفي قدري. قال: فلما سلمت إذا هو خلفي رافع يديه يدعو. قال: فضربت بيدي إلى يديه أمسكتهما، فقلت له: إيش تسأل أنت؟ دعني أنا أسأل الذي أزعم أني لا أقدر على شيء، واذهب أنت اعمل الذي تزعم أنك تعمل ما تريد.
قال
أبو محمد عباس العكي في قول الله عز وجل " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " قال: الذين يعملون بما يعلمون يهديهم الله إلى ما لا يعلمون، فحدثت به أبا سليمان، فأعجبه وقال: ليس ينبغي لمن ألهم شيئاً من الخير أن يعمل به حتى يسمعه في الآثر، فإذا سمع به في للآثر عمل به، وحمد الله حين وافق ما في قلبه.
قال أبو سليمان: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياماً فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة.
وقال أبو سليمان: أفضل الأعمال خلاف هوى النفس.
وقال: لكل شيء علم، وعلم الخذلان ترك البكاء.
وقال: لكل شيء صدأ، وصدأ نور القلب شبع البطن.
وقال: كل ما شغلك عن الله من أهل، أو مال، أو ولد فهو عليك مشؤوم.
وقال أبو سليمان: كنت ليلة باردة في المحراب، فأقلقني البرد، فخبأت إحدى يدي من البرد، وبقيت الأخرى ممدودة، فغلبتني عيني، فهتف بي هاتف: يا أبا سليمان، قد وضعنا في هذه ما أصابها، ولو كانت الأخرى لوضعنا فيها، فآليت على نفسي أن لا أدعو إلا ويداي خارجتان حراً كان حراً أو برداً.
وقال: نمت ليلة عن وردي، فإذا أنا بحوراء تقول لي: تنام وأنا أربى لك في الخدور منذ خمس مئة عام؟.
قال: ربما أقمت في الآية الواحدة خمس ليال، ولولا أني بعد أدع الفكر فيها ما جزتها أبداً. ولربما جاءت الآية من القرآن تطير العقل فسبحان الذي رده إليهم بعد.
وقال: خير ما أكون أبداً إذا لزق بطني بظهري، فلربما شبعت شبعة فأخرج. فإنما عيناي تطمحان، وربما جعت الجوعة فترحمني المرأة فما ألتفت إليها.
قال أبو سليمان: لأن أترك من عشائي لقمة أحب إلي من أن أقوم الليل إلى آخره.
قال أبو سليمان: مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع. وأصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله عز وجل، وإن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، وإن الجوع عنده في خزائن مدخرة، فلا يعطي إلا لمن أحب خاصة.
وقال أبو سليمان في قول الله عز وجل " أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى " قال: أزال عنهم الشهوات.
قال أبو سليمان: إذا جاع القلب وعطش صفا ورق، وإذا شبع وروي عمي.
حدث أحمد بن أبي الحواري قال: قال أبو سليمان: يا أحمد، جوع قليل، وذل قليل، وعري قليل، وفقر قليل، وضر قليل، وقد انقضت عنك أيام الدنيا.
قال: وقال: يا أحمد، ما أنجب من أنجب إلا بالقبول من مشايخهم، كم أقول لك: لا تفتح أصابعك في القصعة، فأنت لا تقبل مني، يا أحمد عهدت قوماً من القراء، وشهدت طوائف من الصوفية يعدون الجوع فيهم غنيمة كما تعد أنت وأصحابك الشبع غنيمة.
قال: وقال: أي شيء يزيد الفاسقون عليكم؟ إذا كان كلما اشتهيتم شيئاً أكلتموه وأولئك كلما أرادوا شيئاً فعلوه؟.
قال أحمد:
اشتهى أبو سليمان رغيفاً حاراً بملح، فجئت به إليه، فعض منه عضة، ثم طرحه، وأقبل يبكي ويقول: يا رب، عجلت لي شهوتي، لقد أطلت جهدي وشقوتي، وأنا تائب، فاقبل توبتي. قال أحمد: ولم يذق أبو سليمان الملح حتى لحق بالله عز وجل.
قال أحمد: سمعت أبا سليمان يقول: قدم أهلي إلي مرة خبزاً وملحاً، فكان في الملح سمسمة، فأكلتها، فوجدت رانها على قلبي بعد سنة.
قال أبو سليمان: ما رضيت عن نفسي طرفة عين، ولو أن أهل الأرض اجتمعوا على أن يضعوني كاتضاعي عن نفسي ما أحسنوا.
وقال: من رأى لنفسه قيمة لم يذق حلاوة الخدمة.
وقال: إذا تكلف المتعبدون أن لا يتكلموا إلا بالإعراب ذهب الخشوع من قلوبهم.
وقال أبو سليمان: ليس شيء أحب إلي من أن أكفى المؤونة يتحدث رجل، وأسمع أنا، ولربما حدثني الرجل بالحديث أنا أعلم به منه فأنصت إليه كأني ما سمعته قط، ولربما مشيت إلى الرجل هو أولى بالمشي إلي مني إليه.
وقال: من حسن ظنه بالله ثم لا يخاف فهو مخدوع.
قال أحمد بن أبي الحواري: قال لي أبو سليمان: يا أحمد، أيكون شيء أعظم ثواباً من الصبر؟ قال: قلت: نعم، الرضى عن الله عز وجل. قال: ويحك إذا كان الله تعالى يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب، فانظر إلى ما يفعل بالراضي عنه.
وقال أبو سليمان: أرجو أن أكون عرفت طرفاً من الرضى لو أنه أدخلني النار لكنت بذلك راضياً.
قال أبو سليمان: ربما مثل لي أني على قنطرة من قناطير جهنم بين حجرين، فكيف يكون عيش من هو هكذا؟.
قال أبو سليمان: لولا الذنوب لسألناه أن يقيم القيامة، ولكن إذا ذكرت الخطيئة قلت: أبقى لعلي أتوب.
قال أبو سليمان: ما يسرني أن لي من أول الدنيا إلى آخرها أنفقه في وجوه البر وأني أغفل عن الله طرفة عين.
قال رجل لأبي سليمان: أوصني، فقال أبو سليمان: قال زاهد لزاهد: أوصني، قال: لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك، قال: زدني، قال: ما عندي زيادة.
قال أبو سليمان: وقعت أمي من فوق وتكسرت، فأهمني أمرها، فقلت: يا رب، من يخدمها؟ فجعلت أبكي في سجودي، فإذا بهاتف يهتف: يا أبا سليمان، قم إلى الحائط فخذ ما فيه وادع به، فقمت، فإذا بقرطاس ما رأيت على نقائه وبياضه، بخط ما رأيت مثله حسناً، تفوح منه رائحة المسك، وإذا فيه مكتوب: يا مدرك الفوت بعد الفوت، ويا من يسمع في ظلم
الليل الصوت، ويا من يحيى العظام وهي رميم بعد الموت، فدعوت بها وأنا ساجد، فإذا أمي تقول: يا أبا سليمان، ما فعلت الغلة؟ قال: قلت لها: قد قمت؟ قالت: نعم.
قال أحمد بن أبي الحواري: بات أبو سليمان ذات ليلة. فلما انتصف الليل قام ليتهيأ. فلما أدخل يده في الإناء بقي على حالته حتى انفجر الصبح وحان وقت الإقامة، فخشيت أن تفوت صلاته فقلت: الصلاة يرحمك الله، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال: يا أحمد، أدخلت يدي في الإناء فعارضني عارض من سري: هب أنك غسلت بالماء ما ظهر منك، فبماذا تغسل قلبك؟ فبقيت متفكراً، فألهمت حتى قلت: بالغموم والأحزان فيما يفوتني من الأنس بالله.
قال ابن أبي الحواري: كنت مع أبي سليمان حين أراد الإحرام، فلم يلب حتى سرنا ميلاً، وأخذه كالغشية في المحمل ثم افاق فقال: يا أحمد، إن الله تبارك وتعالى أوصى إلى موسى: مر ظلمة بني إسرائيل أن يقلوا من ذكري، فإني أذكر من ذكرني منهم باللعنة حتى يسكت، ويحك يا أحمد! بلغني أنه من حج من غير حله، ثم لبى قال الله له: لا لبيك ولا سعد يك حتى ترد ما في يديك، فما يؤمننا أن يقال لنا ذلك؟.
قال أبو سليمان: ينبغي للخوف أن يكون أغلب على الرجاء، فإذا غلب الرجاء على الخوف فسد القلب.
قال أبو سليمان: من أحسن في نهاره كوفئ في ليله، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن صدق في ترك شهوة ذهب الله بها من قلبه، والله تعالى أكرم من أن يعذي قلباً لشهوة تركت له.
قال أبو سليمان: إذا سكنت الدنيا القلب ترحلت منه الآخرة.
قال: إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزحمها، وإذا كانت الدنيا في القلب لم تزحمها الاخرة. إن الآخرة كريمة، والدنيا لئيمة.
قال أبو سليمان:
إن في الجنة أنهاراً، وعلى شاطئها خيام، فيهن الحور ينشئ الله خلق إحداهن إنشاء، فإذا تكامل خلقها ضربت الملائكة عليهن الخيام، جالسة على كرسي، ميل في ميل، قد خرجت عجيزتها من جوانب الكرسي. قال: فيجيء أهل الجنة من قصورهم يتنزهون ما شاؤوا، يخلو كل رجل منهم بواحدة منهن. قال أبو سليمان: كيف يكون في الدنيا حال من يريد يفتض الأبكار على شاطئ الأنهار في الجنة؟.
قال أحمد بن أبي الحواري: دخلت على ابي سليمان يوماً وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟! فقال: يا أحمد ولم لا أبكي؟ إذا جن الليل، ونامت العيون، وخلا كل حبيب بحبيبه افترش أهل المحبة أقدامهم، وجرت دموعهم على خدودهم، وتقطرت في محاريبهم أشرف الجليل سبحانه فنادى: يا جبريل بعيني من تلذذ بكلامي، واستراح إلى ذكري، وإني لمطلع عليهم في خلواتهم أسمع أنينهم، وأرى بكاءهم، فلم لا تنادي فيهم يا جبريل: ما هذا البكاء؟ هل رايتم حبيباً يعذب أحباءه؟! أم كيف يجمل بي أن آخذ قوماً إذا جنهم الليل تملقوا في، حلفت إذا وردوا علي القيامة لأكشفن لهم عن وجهي الكريم حتى ينظروا إلي، وأنظر إليهم.
قال أحمد بن أبي الحواري: بت عند أبي سليمان الداراني، فسمعته يقول: وعزتك وجلالتك لئن طالبتني بذنوبي لأطالبنك بعفوك، ولئن أمرت بي إلى النار لأخبرنهم أني كنت أحبك.
قال أبو سليمان: لو شك الناس كلهم في الحق ما شككت فيه وحدي. قال أحمد بن أبي الحواري: كان قلبه في هذا مثل قلب أبي بكر الصديق يوم الردة.
قال أبو سليمان: كنت نائماً في بيت فوقه علية فجاءني حين رقدت فحركني، فقال: يا عبد الرحمن، قم، وتوضأ، وصل، قلت: بكلامك يا لعين أصلي أنا؟ فرقدت وتركته، قال: فجاءني بعد فحركني، فقال: يا عبد الرحمن، افتح عينيك، قال: ففتحتهما، فإذا بحيطان البيت والجدر والسقف وشي محبرة قال: فرقدت، وتركته. قال: ثم جاءني بعد فحركني، فقال: يا عبد الرحمن، افتح عينيك، فإذا سقف البيت وسقف العلية قد انفرج. قال: فجعلت أنظر إلى النجوم، وأنا في الفراش.
قال: وقال أبو سليمان: رأيت لصاً قط يجيء إلى خربة، ينقبها، وهو يدخل من أي أبوابها شاء؟ إنما يجيء إلى بيت، قد جعل فيه رزم بر، وأقفل، فينقب حائطاً يستخرج رزمة، كذلك إبليس ليس يجيء إلا إلى كل قلب عامرٍ ليستنزله عن شيء.
قال أبو سليمان: ما خلق الله خلقاً أهون علي من إبليس، ولولا أني أمرت أن أتعوذ منه ما تعوذت منه أبداً، ولو بدا لي ما لطمت إلا صفحة وجهه.
قال أبو سليمان: إذا أخلص العبد انقطع عنه الوسواس والرؤيا. قال: وربما أقمت سنين فما ارى في النوم شيئاً.
قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: أقمت عشرين سنة لم أحتلم، فدخلت مكة، فأحدثت فيها حدثاً، فما أصبحت حتى احتلمت، فقلت له: وأي شيء كان الحدث؟ قال: فاتتني صلاة العشاء في جماعة.
قال أبو سليمان: الزاهد حقاً لا يذم الدنيا ولا يمدحها، ولا ينظر إليها، ولا يفرح بها إذا أقبلت، ولا يخزن عليها إذا ولت.
قال الجنيد: شيء يروى عن أبي سليمان الداراني أنا أستحسنه كثيراً: قوله: من اشتغل بنفسه شغل عن الناس، ومن اشتغل بربه شغل عن نفسه وعن الناس.
قال أبو سليمان الداراني: إذا أحب العبد الدنيا فآثرها يقول الله عز وجل: لأنسينه معرفتي حتى يلقاني وهو لا يعرفني.
قال أبو سليمان: خير السخاء ما وافق الحاجة.
قال أبو سليمان: إن في خلق الله خلقاً، ما تشغلهم الجنان وما فيها من النعيم عنه، فكيف يشتغلون بالدينا؟ قال أبو سليمان: الدنيا عند الله أقل من جناح بعوضة، فما قيمة جناح بعوضة حتى يزهد فيها؟ وإنما الزهد في الجنة والحور العين، وكل نعيم خلقه الله ويخلقه، حتى لا يرى الله في قلبك غير الله.
قال أبو سليمان: من طلب الدنيا حلالاً واستعفافاً عن المسألة واستغناء عن الناس لقي الله يوم يلقاه ووجهه كالقمر ليلة البدر، ومن طلب الدنيا حلالاً مكاثراً مفاخراً مرائياً لقي الله وهو عليه غضبان.
قال أبو سليمان: ليس الزاهد من ألقى غم الدنيا واستراح منها إنما تلك راحة، وإنما الزاهد من ألقى غمها، وتعب فيها لآخرته. قال أبو سعيد: يقول: كما يزهد فيها يزهد في الراحة، فإن الراحة في الدنيا من الدينا ومن نعيمها.
قال أبو سليمان:
إن قوماً طلبوا الغنى فحسبوا أنه في جمع المال ألا وإنما الغنى في القناعة، وطلبوا الراحة في الكثرة، وإنما الراحة في القلة، وطلبوا الكرامة من الخلق ألا وهي في التقوى، وطلبوا النعمة في اللباس الرقيق اللين، وفي طعام طيب، والنعمة في الإسلام والستر والعافية.
قال أبو سليمان: في قول الله عز وجل " وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً " قال: عن الشهوات.
قال أبو سليمان: نظروا إلى آخر غاية فجعلوها أول غاية: لباس الصوف. ينبغي إذا لم يبق في القلب شهوة من الدنيا تدرع العباء، لأنها علم الزهد، أما يستحي أحدكم أن يلبس عباء بثلاثة دراهم وفي قلبه شهوة بخمسة؟! قال أبو سليمان: لأهل الطاعة في ليلهم ألذ من أهل اللهو بلهوهم، ولربما رأيت القلب يضحك ضحكاً.
زاد في حديث آخر: ولولا الليل ما أحببت البقاء.
قال أبو سليمان: إنما الأخ الذي يعظك برؤيته قبل أن يعظك بكلامه، لقد كنت أنظر إلى الأخ من إخواني بالعراق فأعمل على رؤيته شهراً.
قال أبو سليمان: لا يكون العبد تائباً حتى يندم بالقلب، ويستغفر باللسان، ويرد المظالم فيما بينه وبين الناس، ويجتهد في العبادة.
قال أحمد بن أبي الحواري: ذكرات أبا سليمان الصبر، فقال: والله، ما نصبر على ما نحب فكيف نصبر على ما نكره؟ قال أحمد بن أبي الحواري: تنهدت يوماً عند أبي سليمان الداراني فقال لي: إنك عنها مسؤول يوم القيامة، فإن كان على ذنب سلف فطوباك، وإن كان على الدنيا فويل لك.
قال أبو سليمان: إنما رجع القوم من الطريق قبل الوصول، ولو وصلوا إلى الله ما رجعوا.
قال ابن المبارك: لا تقل: ما أجرأ فلاناً على الله! فإن الله تعالى أكرم من أن يجترأ عليه، ولكن قل: ما أعز فلاناً بالله قال أبو سليمان: صدق ابن المبارك، هو أكرم من أن يجترأ عليه، ولكنهم هانوا عليه فتركهم ومعاصيهم، ولو كرموا عليه لمنعهم منها.
قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأبي سليمان: أريد أن أدع السوق وأتعبد، فقال: الزم السوق وتعبد. قال: قلت: فليس في السوق ما يكفيني، قال: فتحتاج إلى درهم؟ قلت: نعم، قال: فتكسب في السوق دانقاً؟ قلت: نعم. قال: فتحتال خمسة دوانيق خير من أن تحتال الدرهم كما هو.
قال: وقلت لأبي سليمان: تخالف العلماء؟ فغضب، وقال: رأيت عالماً قط بعينك؟ رأيت عالماً يأتي أبواب السلطان فيأخذ دراهمهم؟ قال أبو سليمان: إذا دخلت الدنيا من باب البيت خرجت الآخرة من الكوة.
قال أبو سليمان: من صارع الدنيا صارعته.
قال احمد بن أبي الحواري: حججت أنا وأبو سليمان، فبينا نحن نسير إذ سقطت السطحية مني، فقلت لأبي سليمان: فقدت السطحية وبقينا بلا ماء، وكان برد شديد، فقال أبو سليمان: يا راد الضالة، ويا هادي من الضلالة، اردد علينا الضالة، فإذا واحد ينادي: من ذهبت له سطحية؟ قال: فقلت: أنا، فأخذتها. فبينا نسير وقد تدرعنا بالفراء لشدة البرد، فإذا نحن بإنسان عليه طمران، وهو يترشح عرقاً، فقال أبو سليمان: تعال ندفع إليك شيئاً مما علينا من الثياب، فقال: يا أبا سليمان، أتشير إلى الزهد وتجد البرد؟ أنا أسيح في هذه البرية منذ ثلاثين سنة، ما انتفضت، ولا ارتعدت، يلبسني في البرد فيحاً من محبته، ويلبسني في الصيف مذاق برد محبته، ومر.
قال ابن أبي الحواري: قلت لأبي صفوان: ما رأيت مثل أبي عبد الله النباجي، فقال لي: ما رأيت أنت أحداً قط مثل أبي سليمان، ولكن أخبرك بقصتك حين فضلت أبا عبد الله: إن أبا سليمان زرع في قلبك حبيبة أصابها عطش، فسقاها النباجي فأنبتت، فالأصل بركة أبي سليمان.
مات أبو سليمان سنة أربع ومئتين. وقيل: سنة خمس ومئتين. وقيل: سنة خمس عشرة ومئتين. وقيل: سنة خمس وثلاثين ومئتين.
قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لمروان حين مات أبو سليمان: لقد أصيب به أهل دمشق، قال: أهل دمشق؟! لقد أصيب به أهل الإسلام.
قال أحمد بن أبي الحواري: تمنيت أن أرى أبا سليمان الداراني في المنام، فرأيته بعد سنة، فقلت له: يا معلم، ما فعل الله بك؟ قال: يا أحمد، دخلت من باب الصغير فرايت وسق شيح، فأخذت منه عوداً، فلا أدري تخللت به ام رميت به؟ فأنا في حسابه من سنة إلى هذه الغاية.

عبد الله بن هارون بن محمد

Details of عبد الله بن هارون بن محمد (hadith transmitter) in 1 biographical dictionary by the author Ibn Manẓūr
Ibn Manẓūr (d. 1311 CE) - Mukhtaṣar Tārīkh Dimashq ابن منظور - مختصر تاريخ دمشق
Permalink (الرابط القصير إلى هذا المقطع):
https://hadithtransmitters.hawramani.com/?p=151767&book=5540#73bc6b
عبد الله بن هارون بن محمد
ابن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم أبو العباس - ويقال: أبو جعفر المأمون بن الرشيد قدم دمشق دفعات، وأقام بها مدة.
قال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي: صليت العصر في الرصافة خلف المأمون في المقصورة يوم عرفة. فلما سلم كبر الناس، فرأيت المأمون خلف الدرابزين وعليه كمة بيضاء وهو يقول: لا يا غوغاء لا يا غوغاء، غداً سنة أبي القاسم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فلما كان يوم الأضحى حضرت الصلاة فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.. حدثنا هشيم بن بشير أخبرنا ابن شبرمة عن الشعبي عن البراء بن عازب عن أبي بردة بن نيار قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من ذبح قبل أن يصلي فإنما هو لحم قدمه لأهله، ومن ذبح بعد أن يصلي فقد أصاب السنة، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، اللهم، أصلحني واستصلحني وأصلح على يدي.
قال أحمد بن إبراهيم الموصلي: كنت بالشماسية والمأمون يجري الحلبة فسمعته يقول ليحيى بن أكثم وهو ينظر إلى كثرة الناس: أما ترى؟ ثم قال: حدثنا يوسف بن عطية الصفار عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الخلق كلهم عيال الله عز وجل، فأحب خلقه إليه أنفعهم لعياله.
وحدث المأمون عن هشيم عن منصور عن الحسن عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الحياء من الإيمان.
ولد المأمون في ربيع الأول سنة سبعين ومئة، ليلة مات موسى الهادي، واستقامت له الولاية في المحرم سنة ثمان وتسعين ومئة، ومات سنة ثمان عشرة ومئتين، فكانت ولايته عشرين سنة وخمسة أشهر وأياماً، ودعي له بالخلافة بخراسان في حياة أخيه الأمين ثم قدم بغداد بعد قتله. وكان إبراهيم يقول: مات خليفة، وولي خليفة، وولد خليفة في ليلة واحدة: مات موسى، وولي الرشيد، وولد المأمون في ليلة واحدة. وكان المأمون بايع لعلي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وسماه الرضا، وطرح السواد وألبس الناس الخضرة، فمات علي بسرخس، وقدم المأمون بغداد سنة أربع ومئتين في صفر وطرح الخضرة، وعاد إلى السواد، وامر المأمون في آخر عمره أن يكون أخوه أبو إسحاق الخليفة من بعده. وكانت كنيته أولاً أبو العباس، فلما ولي الخلافة اكتنى بأبي جعفر. وأمه أم ولد يقال لها: مراجل الباذغيسية، توفيت في نفاسها به، وكان ولي عهد أبيه الرشيد بعد أخيه محمد الأمين، وكان يدعى للمأمون بالخلافة ومحمد حي، دعي له من آخر سنة خمس وتسعين ومئة إلى أن قتل محمد، واجتمع الناس عليه، وتفرق عماله في البلاد، ومحمد حي، ودعي له بالحرمين، وأقيم الحج للناس بإمامته في سنتي ست وسبع وتسعين ومئة، وهو مقيم بخراسان، والكتب تنفذ عنه، والأموال تحمل إليه، وأمره ينفذ في الآفاق، فاجتمع الناس عليه بعد قتل محمد، وبويع له ببغداد على يدي طاهر بن الحسين في المحرم سنة ثمان وتسعين وورد الخبر عليه وهو
بمرو في صفر سنة ثمان وتسعين. ولم يزل المأمون مقيماً بمرو. ووجه الحسن بن سهل صنو ذي الرياستين إلى بغداد وجعله خليفته بالعراق، وعقد له عليه، وكان وجه قبله منصور بن المهدي إلى بغداد، ودفع إليه خاتمه، وأمره أن يكاتب عنه. فلما قدم الحسن بن سهل لم يكن لمنصور من الأمر شيء غير المكاتبة والختم. وعقد المأمون بخراسان العهد بعده لعلي بن موسى بن جعفر وسماه الرضا، وخلع السواد، وألبس الناس الخضرة في سنة إحدى ومئتين. فلما اتصل ذلك بمن في العراق من العباسيين من ولد الخلافة وغيرهم عظم عليهم، وأنكروه، واجتمعوا، فكتبوا إلى المأمون كتاباً في ذلك، وورد كتابه على الحسن بن سهل يأمره بأخذ البيعة على الناس لعلي بن موسى بعده فأعظم الناس ذلك وأبوه وخالفوا الأمر فيه ودعاهم ذلك إلى أن بايعوا لإبراهيم بن المهدي بالخلافة، وخلعوا المأمون.
وكان المأمون أبيض، ربعة، حسن الوجه، قد وخطه الشيب، تعلوه صفرة، أغبر، طويل اللحية رقيقها، ضيق الجبين، على خده خال، وكان ساقاه من سائر جسده صفراوين، حتى كأنهما طليتا بالزعفران.
قال أبو محمد اليزيدي:
كنت أؤدب المأمون وهو في حجر سعيد الجوهري. قال: فأتيته يوماً وهو داخل، فوجهت إليه بعض خدمه يعلمه بمكاني، فأبطأ علي، ثم وجهت إليه آخر فأبطأ، فقلت لسعيد: إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة وتأخر، قال: أجل، ومع هذا إنه إذا فارقك تعرم على خدامه، ولقوا منه أذى شديداً فقومه بالأدب. فلما خرج أمرت بحمله فضربته سبع درر. قال: فإنه ليدلك عينيه من البكاء إذ قيل له: هذا جعفر بن يحيى قد أقبل، فأخذ منديلاً، فمسح عينيه من البكاء، وجمع ثيابه، وقام إلى فرشه، فقعد عليها متربعاً ثم قال: ليدخل، فدخل، فقمت عن المجلس، وخفت أن يشكوني إليه، فألقى
منه ما أكره. قال: فأقبل عليه بوجهه وحديثه حتى أضحكه، وضحك إليه. فلما هم بالحركة دعا بدابته، وأمر غلمانه، فسعوا بين يديه، ثم سأل عني فجئت، فقال: خذ على ما بقي من جزئي. فقلت: ايها الأمير - أطال الله بقاءك - لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر بن يحيى فلو فعلت ذلك لشكر لي، فقال: أتراني يا أبا محمد كنت أطلع الرشيد على هذه؟ فكيف بجعفر بن يحيى حتى أطلعه؟ إني أحتاج إلى أدب. إذاً يغفر الله لك بعد ظنك، ووجيب قلبك، خذ في أمرك، فقد خطر ببالك ما لا تراه أبداً، ولو عدت في كل يوم مئة مرة.
أراد الرشيد سفراً فأمر الناس أن يتأهبوا لذلك، وأعلمهم أنه خارج بعد الأسبوع، فمضى الأسبوع ولم يخرج، فاجتمع الناس إلى المأمون فسألوه أن يستعلم ذلك، ولم يكن الرشيد يعلم أن المأمون يقول الشعر فكتب إليه المأمون: السريع
يا خير من دنت المطي به ... ومن تقدى بسرجه فرس
هل غاية في المسير نعرفها ... أم أمرنا في المسير ملتبس؟
ما علم هذا إلا إلى ملكٍ ... من نوره في الظلام نقتبس
إن سرت سار الرشاد متبعاً ... وإن تقف فالرشاد محتبس
فقرأها الرشيد وسر بها، ووقع فيها: يا بني، ما أنت والشعر إنما الشعر أرفع حالات الدنيء، وأقل حالات السري والمسير إلى ثلاث أن شاء الله.
حدث ذو الرياستين في شوال سنة اثنتين ومئتين أن المأمون ختم في شهر رمضان ثلاثاً وثلاثين ختمة. أما سمعتم في صوته بحوحة؟ إن محمد بن أبي محمد اليزيدي في أذنه صمم، كان يرفع صوته ليسمع، وكان يأخذ عليه.
قال محمد بن عباد: لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان والمأمون.
حدث يحيى بن أكثم القاضي قال: قال لي المأمون يوماً: يا يحيى إني لرأيت أن أحدث، فقلت: ومن أولى بهذا من أمير المؤمنين؟ فقال: ضعوا لي منبراً بالحلبة، فصعد وحدث، فأول حديث حدثنا به من هشيم عن أبي الجهم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار. ثم حدث بنحو من ثلاثين حديثاً، ثم نزل فقال لي: يا يحيى، كيف رأيت مجلسنا؟ قلت: أجل مجلس، يا أمير المؤمنين، تفقه الخاصة والعامة، فقال: لا، وحياتك، ما رأيت لكم حلاوة، إنما المجلس لأصحاب الخلقان والمحابر، يعني من أصحاب الحديث.
قال إبراهيم بن سعيد الجوهري: لما فتح المأمون مصر قام فرج الأسود فقال: الحمد الله الذي كفاك أمر عدوك، وأدان لك العراقين والشامات ومصر، وأنت ابن عم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له: ويحك يا فرج، إلا أنه بقيت لي خلة، وهو أن أجلس في مجلس، ويستملي يحيى فيقول: من ذكرت رضي الله عنك؟ فأقول: حدثنا الحمادان: حماد بن سلمة بن دينار، وحماد بن زيد بن درهم قالا: حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من عال ابنتين أو ثلاثاً أو أختين أو ثلاثاً حتى يمتن أو يموت عنهن كان معي كهاتين في الجنة. وأشار بالمسبحة والوسطى.
قال أبو بكر الخطيب: في هذا الخبر غلط فاحش. قال: ويشبه أن يكون المأمون رواه عن رجل عن الحمادين، وذلك أن مولد المأمون في سنة سبعين ومئة، ومات حماد بن سلمة في سنة سبع وستين ومئة، قبل مولده بثلاث سنين، وأما حماد بن زيد فمات في سنة تسع وسبعين ومئة.
قال محمد بن سهل بن عسكر:
وقف المأمون يوماً للإذن، ونحن وقوف بين يديه إذ تقدم إليه رجل غريب بيده محبرة، فقال: يا أمير المؤمنين، صاحب حديث منقطع به، فقال له المأمون: ما تحفظ في باب كذا؟ فلم يذكر فيه شيئاً، فما زال المأمون يقول: حدثنا هشيم، وحدثنا حجاج بن محمد، وحدثنا فلان حتى ذكر الباب، ثم سأله عن بابٍ باب فلم يذكر فيه شيئاً، فذكره
المأمون، ثم نظر إلى أصحابه فقال: أحدهم يطلب الحديث ثلاثة أيام ثم يقول: أنا من أصحاب الحديث؟! أعطوه ثلاثة دراهم.
قال محمد بن حفص الأنماطي: تغدينا مع المأمون في يوم عيد. قال: فأظنه وضع على مائدته أكثر من ثلاث مئة لون. قال: فكلما وضع لون نظر المأمون إليه فقال: هذا نافع لكذا، ضار لكذا، فمن كان منكم صاحب بلغم فليجتنب هذا، ومن كان منكم صاحب صفراء فليأكل من هذا، ومن غلبت عليه السوداء فلا يعرض لهذا، ومن قصده قلة الغذاء فليقتصر على هذا. قال: فوالله إن زالت تلك حاله في كل لون يقدم إليه حتى رفعت الموائد، فقال له يحيى بن أكثم: يا امير المؤمنين، إن خضنا في الطب كنت جالينوس في معرفته، أو في النجوم كنت هرمس في حسابه، او في الفقه كنت علي بن أبي طالب في علمه، أو ذكر السخاء كنت حاتم طيئ في صفته، أو صدق الحديث فأنت أبو ذر في لهجته، أو الكرم فأنت كعب بن مالك في فعاله، أو الوفاء فأنت السموءل بن عادياء في وفائه. فسر بهذا الكلام، وقال: يا أبا محمد، إن الإنسان إنما فضل بعقله، لولا ذلك لم يكن لحم أطيب من لحم، ولا دم أطيب من دم.
قال: ونظر يوماً إلى رؤوس آنيته محشوة بقطن، وكانت قبل ذلك بأطباق فضة، فقال لصاحب الشراب: أحسبت يا بني أنما تباهي بالذهب والفضة من قلاً عنده، واما نحن فينبغي أن نباهي بالفعال الجميلة والأخلاق الكريمة، فإياك أن تحشو رؤوس أوانيك إلا بالقطن، فذلك بالملوك أهيأ وأبهى.
قال يحيى بن أكثم القاضي: ما رأيت أكمل آلة من المأمون وجعل يحدث بأشياء استحسنها من كان في مجلسه ثم قال: كنت عنده - يعني ليلة أذاكره أو أحدثه، ثم نام وانتبه فقال: يا يحيى، انظر إيش عند رجلي، فنظرت فلم أر شيئاً، فقال: شمعة، فتبادر الفراشون فقال: انظروا، فنظروا فإذا تحت فراشه حية بطوله فقتلوها، فقلت: قد انضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم الغيب، فقال: معاذ الله، ولكن هتف بي هاتف الساعة وأنا نائم فقال: مجزوء الكامل
يا راقد الليل انتبه ... إن الخطوب لها سرى
ثقة الفتى بزمانه ... ثقة محللة العرى
قال: فانتبهت، فعلمت أن قد حدث أمر إما قريب وإما بعيد، فتأملت ما قرب فكان ما رأيت.
قال عمارة بن عقيل: قال ابن أبي حفصة الشاعر: أعلمت أن المأمون أمير المؤمنين لا يبصر الشعر؟ فقلت: من ذا يكون أفرس منه، والله إنا لننشد أول البيت، فيسبق إلى آخره من غير أن يكون سمعه. قال: إني أنشدته بيتاً أجدت فيه، فلم أره تحرك له، وهذا البيت فاسمعه: البسيط
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلاً ... بالدين والناس بالدنيا مشاغيل
فقلت له: مازدت على أن جعلته عجوزاً في محرابها في يدها سبحة. فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولاً عنها؟ فهو المطوق بها، ألا قلت كما قال عمك جرير لعبد العزيز بن الوليد: الطويل
فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله
قال إبراهيم بن سعيد الجوهري: كنت واقفاً على رأس المأمون، وهو يتفكر، ثم رفع رأسه فقال: يا إبراهيم، بيتا شعر قيلا لم يسبق قائلهما إليهما أحد، ولا يلحقهما أحد. قلت: من هما يا أمير المؤمنين؟ قال: أبو نواس وشريح، فتبسمت فقال: أمن أبي نواس وشريح؟ قلت: نعم. قال: خذ، قال أبو نواس: الطويل
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدوٍ في ثياب صديق
قال: قلت أحسن يا أمير المؤمنين، فما قال شريح؟ فقال: قال شريح الطويل
تهون على الدنيا الملامة أنه ... حريص على استصلاحها من يلومها
فقلت: أحسن يا أمير المؤمنين، فقال: أحسن منها ما سمعته أنا: كنت أسير في موكبي فألجأني الزحام إلى دكان، عليه أسمال، فنظر إلي نظر من رحمني أو متعجب مما أنا فيه فقال: الطويل
أرى كل مغرور تمنيه نفسه ... إذا ما مضى عام سلامة قابل
قال النضر بن شميل:
دخلت على أمير المؤمنين المأمون بمرو وعلي أطمار متر عبلة، فقال لي: يا نضر، أتدخل على أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب؟! فقلت: يا أمير المؤمنين، إن حر مرو لا يدفع إلا بمثل هذه الأخلاق. قال: لا، ولكنك تتقشف فتجارينا الحديث، فقال المأمون: حدثني هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز، قلت: صدق قول أمير المؤمنين عن هشيم. حدثني عوف الأعرابي عن الحسن أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز، وكان المأمون متكئاً، فاستوى جالساً وقال: السداد لحن يا نضر؟ قلت: نعم هاهنا، وإنما لحن هشيم، وكان لحاناً، فقال: ما الفرق بينهما؟ قلت: السداد: القصد في السبيل، والسداد: البلغة، وكل ما سددت به شيئاً فهو سداد. قال: أفتعرف العرب ذلك؟ قلت نعم. هذا العرجي من ولد عثمان بن عفان يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسداد ثغرٍ
فأطرق المأمون ملياً ثم قال: قبح الله من لا أدب له، ثم قال: أنشدني يا نضر أخلب بيت للعرب. قلت: قول ابن بيض في الحكم بن مروان: المنسرح
تقول لي والعيون هاجعة: ... أقم علينا يوماً فلم أقم
أي الوجوه انتجعت؟ قلت لها: ... لأي وجهٍ إلا إلى الحكم
متى يقل حاجبا سرادقه: ... هذا ابن بيضٍ بالباب يبتسم
قد كنت أسلمت فيك مقتبلاً ... هيهات إذ حل أعطني سلمي
فقال المأمون: لله درك، فكأنما شق لك عن قلبي. أنشدني أنصف بيت قالته العرب، قلت: قول ابن أبي عروبة المدني بأمير المؤمنين: الكامل
إني وإن كان ابن عمي عاتباً ... لمراجم من خلفه وورائه
ومفيده نصري وإن كان امرأ ... مترحرحاً في أرضه وسمائه
وأكون والي سره وأصونه ... حتى يحين إلي وقت أدائه
وإذا الحوادث أجحفت بسوامه ... قرنت صحيحتنا إلى جربائه
وإذا دعا باسم ليركب مركباً ... صعباً قعدت له على سيسائه
وإذا أتى من وجهه بطريقة ... لم أطلع فيما وراء خبائه
وإذا ارتدى ثوباً جميلاً لم أقل: ... يا ليت أن علي حسن ردائه
فقال: أحسنت يا نضر. أنشدني الآن أقنع بيت للعرب، فأنشدته قول ابن عبدل: المنسرح
إني امرؤ لم أزل من الله أديب أعلم الأدبا
أقيم بالدار ما اطمأنت بي الدار وإن كنت نازحاً طربا
لا أجتوي خلة الصديق ولا ... أتبع نفسي شيئاً إذا ذهبا
أطلب ما يطلب الكريم من الرزق وأجمل الطلبا
وأحلب الثرة الصفي ولا ... أجهد أخلاف غيرها حلبا
إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغبته في ضيعةٍ رغبا
والعبد لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئاً إلا إذا رهبا
مثل الحمار الموقع السوء لا ... يحسن شيئاً إلا إذا ضربا
وام أجد عروة العلائق إلا الدين لما اختبرت والحسبا
قد يرزق الخافض المقيم وما ... شد بعنسٍ ولا قتبا
ويحرم الرزق ذو المطية والرحل ومن لا يزال مغتربا
قال: أحسنت يا نضر، أفعندك ضد هذا؟ قلت: نعم احسن منه، قال: هاته وأنشدته: الوافر
يد المعروف غنم حيث كانت ... تحملها كفور أو شكور
قال: أحسنت يا نضر، وأخذ القرطاس فكتب شيئاً لا أدري ما هو، ثم قال: كيف تقول أفعل من التراب؟ قلت: أترب. قال: الطين؟ قلت: طن، قال: فالكتاب ماذا؟ قلت: مترب مطين، قال: هذه أحسن من الأولى، قال: فكتب لي بخمسين ألف درهم، ثم أمر الخادم أن يوصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمني إلى الفضل بن سهل، فمضيت
معه. فلما قرأ الكتاب قال: يا نضر، لحنت أمير المؤمنين؟! قلت: كلا، ولكن هشيم لحانة، فأمر لي بثلاثين ألف درهم، فخرجت إلى منزلي بثمانين ألفاً.
وقال لي الفضل: يا نضر، حدثني عن الخليل بن أحمد، قلت: حدثني الخليل بن أحمد قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من اعلم من رأيت، وكان على سطح أو سطيح. فلما رأيناه أشرنا باليد بالسلام، فقال: استووا، فلم ندر ما قال، فقال لنا شيخ عنده يقول لكم: ارتفعوا، فقال الخليل: هذا من قول الله عز وجل " ثم استوى إلى السماء وهي دخان " ثم ارتفع ثم قال: هل لكم في خبز فطير، ولبن هجير، وماء نمير؟ فلما فارقناه قال: سلاماً، قلنا: فسر قولك هذا، فقال متاركة: لا خير ولا شر، فقال الخليل: هذا مثل قول الله عز وجل " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً " أي متاركة.
قال محمد بن زياد الأعرابي: بعث إلي المأمون، فصرت إليه، وهو في بستان يمشي مع يحيى بن أكثم، فرأيتهما موليين، فجلست. فلما أقبلا قمت فسلمت عليه بالخلافة، فسمعته يقول: يا أبا محمد، ما أحسن أدبه، رآنا موليين فجلس، ثم رآنا مقبلين فقام، ثم رد علي السلام، وقال: يا ابا محمد، أخبرني عن أحسن ما قيل في الشراب، فقلت: يا أمير المؤمنين قوله: الطويل
تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطق
فقال: أشعر منه الذي يعني: أبا نواس: السريع
فتمشت في مفاصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمهم ... كتمشي البرء في السقم
فعلت في البيت إذ مزجت ... مثل فعل الصبح في الظلم
واهتدى ساري الظلام بها ... كاهتداء السفر بالعلم
فقلت: فائدة يا أمير المؤمنين، فقال: أخبرني عن قول هند بنت عتبة:
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
من طارق هذا؟ قال: فنظرت في نسبها فلم أجده، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما اعرفه في نسبها، فقال: إنما أرادت النجم، وانتسبت إليه لحسنها من قول الله تعالى " والسماء والطارق " الآية قال: فقلت: فائدتان يا أمير المؤمنين، فقال: أنا بؤبؤ هذا الأمر وابن بؤبئه، ثم دحا إلي بعنبرة كان يقلبها في يده، بعتها بخمسة آلاف درهم.
حدث محمد بن عبد الرحمن الشروي صاحب أبي نواس قال: أشرف المأمون ليلة من موضع كان به على الحرس، فقال: هل فيكم من ينشد لأبي نواس أربعة أبيات؟ قال: فقال غلام من الحرس؛ أو من أبناء الحرس: أنا يا أمير المؤمنين، قال: هات، فأنشده: البسيط
لاتبك ليلى ولا تطرب إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالورد
كأساً إذا انحدرت من حلق شاربها ... أجدته حمرتها في العين والخد
فالخمر يا قوتة والكأس لؤلؤة ... في كف لؤلؤةٍ ممشوقة القد
تسقيك من عينها خمراً ومن يدها ... خمراً فمالك من سكرين من بد
لي نشوتان وللندمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي
فقال المأمون: هذا والله الشعر، لا قول الذي يقول: ألا هبي بسلحك فالطحينا.
وأمر للغلام بأربعة آلاف درهم.
قال يحيى بن أكثم: سمعت المأمون يخطب يوم العيد فأثنى على الله، وصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمى على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأوصاهم بتقوى الله، وذكر الجنة والنار ثم قال: عباد الله، عظم قدر الدارين، وارتفع جزاء العاملين، وطال مدة الفريقين، فوالله إنه الجدلا اللعب، وإنه الحق لا الكذب، وما هو إلا الموت والبعث والحساب، والفصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلم والصراط ثم العقاب والثواب، فمن نجا يومئذ فقد فاز، ومن هوى يومئذ فقد خاب، الخير كله في الجنة والشر كله في النار.
وعن الحسن بن عبد الجبار المعروف بالعرق قال:
بينا المأمون في بعض مغازيه يسير مفرداً عن أصحابه ومعه عجيف بن عنبسة إذ طلع رجل متخبط متكفن. فلما عاينه المأمون وقف ثم التفت إلى عجيف فقال: ويحك، اما ترى صاحب الكفن مقبلاً يريدني؟! فقال له عجيف: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، قال: فما كذب الرجل أن وقف على المأمون، فقال له المأمون: من أردت يا صاحب الكفن؟ قال: إياك أردت، قال: وعرفتني؟ قال: لو لم أعرفك ما قصدتك، قال: أولا سلمت علي؟ قال: لا أرى السلام عليك، قال: ولم؟ قال: لإفسادك علينا الغزاة، قال عجيف: وأنا ألين مس سيفي لئلا نبطئ ضرب عنقه إذ التفت المأمون، فقال: يا عجيف: إني جائع ولا رأي لجائع، فخذه إليك حتى أتغدى، وأدعو به. قال: فتناوله عجيف فوضعه بين يديه. فلما صار المأمون إلى رحلة دعا
بالطعام. فلما وضع بين يديه أمر برفعه، وقال: والله ما أسيغه حتى أناظر خصمي، يا عجيف، علي بصاحب الكفن. قال: فلما جلس بين يديه قال: هيه يا صاحب الكفن، ماذا قلت؟ قال: قلت: لا أرى السلام عليك لإفسادك الغزاة علينا، قال: بماذا أفسدتها؟ قال: بإطلاقك الخمور تباع في عسكرك وقد حرمها الله في كتابه، فابدأ بعسكرك ثم اقصد الغزو، بماذا استحللت أن تبيح شيئاً قد حرمه الله كهيئة ما أحل الله؟! قال: أو عرفت الخمر أنها تباع ظاهراً ورأيتها؟ قال: لو لم أرها وتصح عندي ما وقفت هذا الموقف. قال: فشيء سوى الخمر أنكرته؟ قال: نعم إظهارك الجواري في العماريات وكشفهن الشعور منهن بين أيدينا كأنهن فلق الأقمار، خرج الرجل منا يريد أن يهراق دمه في سبيل الله، ويعقر جواده قاصداً نحو العدو، فإذا نظر إليهن أفسدت قلبه، وركن إلى الدنيا، وانصاع إليها، فلم استحللت ذاك؟ قال: ما استحللت ذاك، وسأخبرك العذر فيه فإن كان صواباً وإلا رجعت ثم قال: شيئاً غير هذا أنكرته؟ قال: نعم، شيء أمرت به، تنهانا عن الأمر بالمعروف، قال: أما الذي يأمر بالمنكر فإني أنهاه، وأما الذي يأمر بالمعروف فإني أحثه على ذلك وأحدوه عليه، أفشيء سوى ذاك؟ قال لا.
قال: يا صاحب الكفن، أما الخمر فلعمري قد حرمه الله، ولكن الخمر لا تعرف إلا بثلاث جوارح: بالنظر والشم والذوق، أفتشربها؟ قال: معاذ الله أن أنكر ما أشرب، قال: أفيمكن في وقتك هذا أن تقصى على بيعها حتى نوجه معك من يشتري منها؟ قال: ومن يظهرها لي أو يبيعنيها فيها على هذا الكفن؟ قال: صدقت، قال: فكأنك إنما عرفتها بهاتين الجارحتين. يا عجيف: علي بقوارير فيها شراب، فانطلق عجيف، فأتاه بعشرين قارورة، فوقفها بين يديه في أيدي عشرين وصيفاً، ثم قال: يا صاحب الكفن، نفيت من آبائي الراشدين المهديين إن لم تكن الخمر فيها، فإنك تعلم أن الخمر من ستر الله على عباده، وأنه لا يجوز لك أن تشهد على قوم مستورين إلا بمعاينةٍ وعلم، ولا يجوز لي أن آخذ إلا بمعاينة بينة وشاهدي عدل، قال: فنظر صاحب الكفن إلى القوارير فقال له
عجيف: أيها الرجل، لو كنت خماراً ما عرفت موضع الخمر بعينها من هذه القوارير، فقال له: هذه الخمر بعينها من هذه القوارير، فأخذ المأمون القارورة فذاقها ثم قطب ثم قال: يا صاحب الكفن، انظر إلى هذه الخمر فتناول الرجل القارورة فذاقها فإذا خل ذابح، فقال: قد خرجت هذه عن حد الخمر، فقال المأمون: صدقت، إن الخل مصنوع من الخمر، ولا يكون خلاً حتى يكون خمراً، ولا والله ما كانت هذه خمراً قط، وما هو إلا رمان حامض يعصر لي أصطبغ به من ساعته، فقد سقطت الجارحتان، وبقي الشم، يا عجيف، صيرها في رصاصيات وائت بها، قال: ففعل، فعرضت على صاحب الكفن فشمها، فوقع مشمه على قارورة منها فيها ميبختج فقال: هذه، فأخذها المأمون فصبها بين يديه وقال: انظر إليها كأنها طلاء قد عقدتها النار بل تقطع بالسكين. قد سقطت إحدى الثلاث التي أنكرت يا صاحب الكفن، ثم رفع المأمون رأسه إلى السماء وقال: اللهم، إني أتقرب إليك بنهي هذا ونظرائه عن الأمر بالمعروف، يا صاحب الكفن، أدخلك الأمر بالمعروف في أعظم المنكر، شنعت على قوم باعوا من هذا الخل ومن هذا الميبختج الذي شممت. فلم تسلم، استغفر الله من ذنبك هذا العظيم، وتب إليه.
والثاني؟ قال: الجواري، قال: صدقت، أخرجتهن أبقي عليك وعلى المسلمين، كرهت أن تراهن عيون العدو والجواسيس في العماريات والقباب، والسجف عليهن، فيتوهمون أنهن بنات أو أخوات، فيجدون في قتالنا، ويحرصون على الغلبة على ما في أيدينا حتى يجتذبوا خطام واحد من هذه الإبل يستقيدونه بكل طريق إلى أن يبين لهم أنهن إماء، فأمرت برفع الظلال عنهن، وكشف شعورهن، فيعلم العدو أنهن إماء نقي بهن حوافر دوابنا، لا قدر لهن عندنا. هذا تدبير دبرته للمسلمين عامة، ويعز علي أن ترى لي حرمة، فدع هذا فليس هو من شأنك، فقد صح عندك أني في هذا مصيب، وأنك أنكرت باطلاً.
أي شيء الثالثة؟ قال: الأمر بالمعروف، قال: نعم، أرأيتك لو أنك أصبت فتاة مع فتى قد اجتمعا في هذا الفج على حديث، ما كنت صانعاً بهما؟ قال: كنت أسألهما: ما أنتما؟ قال: كنت تسأل الرجل فيقول: امرأتي، وتسأل المرأة فتقول: زوجي، ما كنت صانعاً بهما؟ قال: كنت أحول بينهما وأحبسهما، قال: حتى يكون ماذا؟ قال: حتى أسأل عنهما، قال: ومن تسأل عنهما؟ قال أسألهما: من أين أنتما؟ قال: سألت الرجل: من أين أنت؟ قال: أنا من أسفيجاب، وسألت المرأة، من أين أنت؟ فقالت: من أسفيجاب، ابن عمي، تزوجنا وجئنا، كنت حابساً الرجل والمرأة لسوء ظنك وتوهمك الكاذب إلى أن يرجع الرسول من أسفيجاب، مات الرسول أو ماتا إلى أن يعود رسولك؟ قال: كنت أسأل في عسكرك هذا، قال: فعلك لا تصادف في عسكري هذا من أهل أسفيجاب إلا رجلاً أو رجلين فيقولان لك: لا نعرفهما على هذا النسب، يا صاحب الكفن، ما احسبك إلا أحد ثلاثة رجال: إما رجل مديون، وإما مظلوم، وإما رجل تأولت في حديث أبي سعيد الخدري في خطبة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: وروى الحديث عن هشيم وغيره، ونحن نسمع الخطبة إلى ... مغربان الشمس إلى أن بلغ إلى قوله: إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، فجعلتني جائراً وأنت الجائر، وجعلت نفسك تقوم مقام الأمر بالمعروف، وقد ركبت من المنكر ما هو أعظم عليك، لا والله لأضربنك سوطاً، ولا زدتك على تخريق كفنك، ونفيت من آبائي الراشدين المهديين، إن قام أحد مقامك هذا لا يقوم بالحجة إن نقصته من ألف سوط، ولآمرن بصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمبه في الموضع الذي يقوم فيه. قال: فنظرت إلى عجيف وهو يخرق كفن الرجل، ويلقي عليه ثياب بياض.
وعن ابن عباد أنه ذكر المأمون يوماً فقال: كان والله أحد ملوك الأرض، وكان يجب له هذا الاسم على الحقيقة.
قال ابن أبي داود دخل رجل من الخوارج على المأمون فقال: ما حملك على خلافنا؟ قال: آية في كتاب الله تعالى، قال: وما هي؟ قال: قوله " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ". فقال له المأمون: ألك علم بأنها منزلة؟ قال: نعم، قال؛ وما دليلك؟ قال: إجماع الأمة، قال: فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل فارض بإجماعهم في التأويل، قال: صدقت. السلام عليك يا أمير المؤمنين.
وعن أبي العيناء قال: كان المأمون يقول: كان معاوية بعمره، وعبد الملك بحجاجه، وأنا بنفسي.
قال قحبطة بن حميد بن قحطبة: حضرت المأمون يوماً وهو يناظر محمد بن القاسم النوبنجاني في شيء، ومحمد يغضي له ويصدقه، فقال له المأمون: أراك تنقاد لي إلى ما تظن أنه يسرني قبل وجوب الحجة عليك، ولو شئت أن أقتسر الأمور بفضل بيان، وطول لسان، وأبهة الخلافة، وسطوة الرئاسة لصدقت وإن كنت كاذباً، وصوبت وإن كنت مخطئاً، وعدلت وإن كنت جائراً. ولكني لا أرضى إلا بإزالة الشبهة، وإن شر الملوك عقلاً وأسخفهم رأياً من رضي بقولهم: صدق الأمير.
قيل للمأمون يوماً: يا أمير المؤمنين، لو نصبت للناس رجلاً وأقمته لحوائجهم، فتشاغل بهم واقتصرت عليه بينك وبين الرعية، ولم تشغل نفسك بالاستماع إلى كل داخل، فقال المأمون: إني بسطت للناس في الكلام، وأذنت لهم علي، وجعلت حوائجهم بيني وبينهم لتصل إلي أخبارهم، وأعرف مبلغ عقولهم، وأعطي كل امرئ منهم على قدره، فيكون كل إنسان وجميل حاجته، ولسان طلبته خارجاً عن يدي شكله والطلب إلى مبلغ، ولو جعلت ذلك إلى أحدٍ لضاق على الرعية المذهب، وخفيت علي أمورهم،
وحبست عني أخبارهم، وموطلوا بحوائجهم وتآمر عليهم غيري، وكان الحمد والمن لواحد في زمانهم دوني ودون أوليائي، وخفت مع هذا أن لو نصبت لهم رجلاً لا أشكر على صنيعة، فينسون نعمتي أوليائي ويستعبدهم غيري، فأكون قد صبرت أحراراً أرقاء.
قال قحطبة بن حميد بن الحسن بن قحطبة: كنت واقفاً على رأس المأمون أمير المؤمنين يوماً، وقد قعد للمظالم، فأطال الجلوس حتى زالت الشمس، فإذا امرأة قد أقبلت تعثر في ذيلها حتى وقفت على طرف البساط فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورجمة الله وبركاته، فنظر المأمون إلى يحيى بن أكثم، فأقبل يحيى عليها فقال: تكلمي، فقالت: يا أمير المؤمنين، قد حيل بيني وبين ضيعتي، وليس لي ناصر إلا الله تبارك وتعالى، فقال لها يحيى بن أكثم: إن الوقت قد فات، ولكن عودي يوم المجلس، قال: فرجعت. فلما كان يوم المجلس قال المأمون: أول من يدعى المرأة المظلومة، فدعا بها، فقال لها: أين خصمك؟ قالت: واقف على رأسك يا أمير المؤمنين قد حيل بيني وبينه، وأومأت إلى العباس، ابنه، فقال لأحمد بن أبي خالد: خذه بيده وأقعده معها، ففعل، قتناظر ساعة حتى علا صوتها عليه، فقال لها أحمد بن أبي خالد: أيتها المرأة، إنك تناظرين الأمير أعزه الله بحضرة أمير المؤمنين، فاخفضي عليك، فقال المأمون: دعها يا أحمد، فإن الحق أنطقها، والباطل أخرسه، فلم تزل تناظره حتى حكم لها المامون عليه، وأمره برد ضيعتها، وأمر ابن أبي خالد أن يدفع إليها عشرة آلاف درهم.
وقد حكي عن هذه المرأة أنها دخلت على المأمون، وقد أذن المؤذن فقالت: البسيط
يا خير منتصف يهدى له الرشد ... ويا إماماً به قد أشرق البلد
تشكو إليك عقيد الملك أرملة ... عدا عليها فلم تقوبه أسد
فابتز مني ضياعي بعد منعتها ... وقد تفرق عني الأهل والولد
فأجابها المأمون:
من دون ما قلت عيل الصبر والجلد ... مني ودام به من قلبي الكمد
هذا أوان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلماة الظهر فانصرفيوأحضري الخصم في اليوم الذي أعد
والمجلس السبت إن يقض الجلوس لنا ... أنصفك منه وإلا المجلس الأحد
وساق بقية الحديث بمعناه.
قال أحمد بن يوسف القاضي: قلت للمامون: يا أمير المؤمنين، إن رجلاً ليس بينه وبين الله أحد يخشاه لحقيق أن يتقي الله عز وجل، فقال المأمون: صدقت.
قال محمد بن منصور: وقع المأمون في رقعة متظلم من علي بن هشام: علامة الشريف أن يظلم من فوقه، ويظلمه من هو دونه، فأخبر أمير المؤمنين: أي الرجلين أنت؟.
ووقع في قضية رجل يظلم من بعض أصحابه: ليس من المروءة أن تكون ابنتك من ذهب وفضة وغريمك عارٍ، وجارك طاو.
قال أبو عيسى الهاشمي: حدثني أبي قال: كنت بحضرة المأمون فأحضر رجلاً، فأمر بضرب عنقه، وكان الرجل من ذوي العقول، فقال ليحيى بن أكثم: إن أمير المؤمنين قد أمر بضرب عنقي، وإن دمي عليه لحرام، فهل لي في حاجة أسأله إياها لا تضر بدينه ولا مروءته؟ فإذا فعل ذلك فهو في حل من دمي، فأظهر المأمون تحرجاً، فقال ليحيى بن أكثم: سله عنها، فقال الرجل: يضع يده في يدي إلى الموضع الذي يضرب فيه عنقي، فإذا فعل ذلك فهو في حل من دمي، فقالم المأمون من مجلسه وضرب بيده إلى يد الرجل، فلم يزل يخبره وينشده، ويحدثه حتى كأنه من بعض أسرته، فلما أن رأى السياف والسيف والموضع الذي يكون فيه مثل هذه الحال انعطف فقال للمأمون: بحق هذه الصحبة والمحادثة لما عفوت، فعفا عنه، وأجزل له الجائزة.
وقف رجل بين يدي المأمون قد جنى جناية، فقال له: والله لأقتلنك، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، تأن علي، فإن الرفق نصف العفو، فقال: فكيف وقد حلفت
لأقتلنك؟ فقال: يا امير المؤمنين، لأن تلقى الله حانثاً خير لك من أن تلقاه قاتلاً.
قال: فخلى سبيله.
قال المأمون: لوددت أن أهل الجرائم عرفوا رأبي في العفو، ليذهب الخوف عنهم، ويخلص السرور إلى قلوبهم.
قال عبد الله بن البواب: كان المأمون يحلم حتى يغيظنا في بعض الأوقات، وغنه جلس يستاك على دجلة من وراء ستره، ونحن قيام بين يديه، فمر ملاح وهو يقول: بأعلى صوته: أتظنون أن هذا المأمون ينبل في عيني وقد قتل أخاه؟ قال: فوالله ما زاد على أن تبسم وقال لنا: ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل؟!.
قال يحيى بن أكثم: بت ليلة عند المأمون، فعطشت في جوف الليل، فقمت لأشرب ماء، فرآني المأمون فقال: مالك؛ ليس تنام يا يحيى! فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا عطشان، قال: ارجع إلى موضعك، فقالم إلى البرادة، فجاءني بكوز ماء، وقام على رأسي وقال: اشرب يا يحيى، فقلت: يا أمير المؤمنين فهلا وصيف أو وصيفة؟ (يعني: فقال: إنهم نيام، قلت: فأنا كنت أقوم للشرب، فقال لي: لؤم بالرجل أن يستخدم ضيفه قال: يا يحيى، قلت: لبيك، قال: ألا أحدثك؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين، قال: حدثني الرشيد، حدثني المهدي، حدثني المنصور عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس، حدثني جرير بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: سيد القوم خادمهم.
قال يحيى بن أكثم: ما رأيت أكرم من المامون، بت ليلة عنده فعطش، وقد نمنا، فكره أن يصيح بالغلمان فأنتبه، وكنت منتبهاً، فرأيته قد قام يمشي قليلاً قليلاً إلى البرادة وبينه وبينها بعيد حتى شرب ورجع، قال يحيى: ثم بت عنده ونحن بالشام، وما مي أحد، فلم يحملني النوم، فأخذ المأمون سعال، فرأيته يسد فاه بكم قميصه حتى لا أنتبه، ثم حملني آخر الليل النوم، وكان له وقت يقوم فيه يستاك، فكره أن ينبهني. فلما ضاق الوقت عليه تحركت فقال: الله أكبر، يا غلمان، نعل أبي محمد.
قال يحيى بن أكثم: وكنت أمشي يوماً مع المأمون في بستان موسى في ميدان البستان، والشمس علي وهو في الظل. فلما رجعنا قال لي: كن الآن أنت في الظل، فأبيت عليه، فقال: أول العدل أن يعدل الملك في بطانته، ثم الذين يلونهم حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى.
كان المأمون يقول: الملوك لا تحتمل ثلاثة أشياء: إفشاء السر، والتعرض للحريم والقدح في الملك.
قال يحيى بن خالد البرمكي: سمعت المأمون يقول: يا يحيى، اغتنم قضاء حوائج الناس، فإن الفلك أدور، والدهر أجور من أن يترك لأحد حالاً، أو يبقي لأحد نعمة.
قال المأمون: غلبة الحجة أحب إلي من غلبة القدرة، لأن غلبة القدرة تزول بزوالها، وغلبة الحجة لا يزيلها شيء.
قال المأمون لأبي حفص عمر بن الأزرق الكرماني؛ أريدك للوزارة، قال: لا أصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمح لها يا أمير المؤمنين، قال: ترفع نفسك عنها؟! قال: ومن يرفع نفسه عن الوزراة؟ ولكني قلت هذا رافعاً لها، وواضعاً لنفسي بها، فقال المأمون: إنا نعرف موضع الكفاة الثقات، المتقدمين من الرجال، ولكن دولتنا منكوسة إن قومناها بالراجحين انتقضت، وإن أيدناها بالناقصين استقامت، ولذلك اخترت استعمال الصواب فيك.
قال المبرد: انشد المأمون بيت أبي العتاهية: الوافر
تعالى الله يا سلم بن عمروٍ ... أذل الحرص أعناق الرجال
فقال: الحرص مفسدة للدين والمروءة، والله ما عرفت من أحد قط حرصاً أو شرهاً فرأيت فيه مصطنعاً.
كان المأمون يقول: من لم يحمدك على حسن النية لم يشكرك على جميل الفعل.
قال أبو العالية: سمعت المأمون يقول: ما أقبح اللجاجة بالسلطان، وأقبح من ذلك الضجر من القضاة قبل التفهم، وأقبحمنه سخافة الفقهاء بالدين، وأقبح منه البخل بالأغنياء، والمزاح بالشيوخ، والكسل بالشباب، والجبن بالمقاتل.
قال المأمون: اظلم الناس لنفسه من عمل بثلاث: من يتقرب إلى من يبعده، ويتواضع لمن لا يكرمه، ويقبل مدح من لا يعرفه.
قال مخارق: أنشدت المأمون قول أبي العتاهبة: الطويل
وإني لمحتاج إلى ظل صاحبٍ ... يرق ويصفو إن كدرت عليه
قال: أعد فأعدت سبع مرات، فقال لي: يا مخارق خذ مني الخلافة، وأعطني هذا الصاحب، لله در أبي العتاهبة، ما أحسن ما قال.
كان للمأمون ابن عم جيد الخط، فدخل عليه يوماً، فقال له المأمون: يا بن عمي، بلغني أنك جيد الخط، وذلك معدوم في أهلك فقال: يا امير المؤمنين، جودة الخط بلاغة اليد، قال: وبلغني أنك شاعر، قال: ذاك ضعه للشريف ورفعة للوضيع، قال: وبلغني أنك سخي، قال: يا أمير المؤمنين، منع الموجود قلة ثقة بالمعبود، قال: فأنت أكبر أم أمير المؤمنين؟ قال: جوابي في ذلك جواب جدك العباس للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين سئل، فقيل له: صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكبر أم أنت؟ فقال: النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكبر، وولدت قبله.
قال هدبة بن خالد: حضرت غداء المأمون. فلما رفعت المائدة جعلت التقط ما في الأرض، فنظر إلي المأمون، فقال: اما شبعت يا شيخ؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين، إنما شبعت في فنائك وكنفك، ولكن حدثني حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: من أكل ما تحت مائدته أمن من الفقر. فنظر المأمون إلى خادم
واقف بين يديه فأشار إليه، فما شعرت حتى جاءني ومعه منديل، فيه ألف دينار، فناولني، فقلت: يا أمير المؤمنين، وهذا أيضاً من ذلك.
قال المأمون لمحمد بن عباد المهلبي: يا أبا عبد الله، قد أعطيتك ألف ألف وألف ألف وألف ألف وعليك دين! إن فيك سرفاً، قال: يا أمير المؤمنين إن منع الموجود سوء الظن بالمعبود، قال المأمون: أحسنت يا محمد، أعطوه ألف ألف وألف ألف وألف ألف.
قال ثمامة بن أشرس: تفرد المأمون يوماً في بعض تصيده، فانتهى إلى بعض بيوت البادبة، فرأى صبياً يضبط قربة، وقد غلبه وكاؤها، وهو يقول: يا أبه، اشدد فاها، فقد غلبني فوها، لا طاقة لي بفيها. قال: فوقف عليه المأمون، فقال: يا فرخ غمه، ممن يكون؟ قال: من قضاعة، قال: من أيها؟ قال: من كلب، قال: وإنك لمن الكلاب! قال: لسنا هم، ولكنا قبيل يدعى كلباً، قال: فمن أيهم أنت؟ قال: من بني عامر، قال: من أيها؟ قال: من الأجدار ثم من بني كنانة، فمن أنت يا خال؟ فقد سألتني عن حسبي، قال: ممن تبغضه العرب كلها، قال: فأنت إذاً من نزار، قال: أنا ممن تبغضه نزار كلها، قال: فأنت إذاً من مضر، قال: أنا ممن تبغضه مضر كلها، قال: فأنت إذالً من قريش، قال: أنا ممن تبغضه قريش كلها، قال: فأنت إذاً من بني هاشم، قال: أنا ممن تحسده بنوهاشم كلها، قال: فأرسل فم القربة، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، وضرب بيده إلى شكيمة الدابة وهو يقول: مشطور الرجز
مأمون يا ذا المن (ن الشريفه ... وصاحب الكتيبة الكثيفه
هل لك في أرجوزةٍ ظريفه ... أظرف من فقه أبي حنيفه؟
لا والذي أنت له خليفه ... ما ظلمت في أرضنا ضعيفه
عاملنا مؤنته خفيفه ... وما حبا فضلاً عن الوظيفه
والذئب والنعجة في سقيفه ... واللص والتاجر في قطيفه
قد سار فينا سيرة الخليفة
فقال له المأمون: أحسنت يا فرخ غمه، فأيهما أحب إليك، عشرة آلافٍ معجلة أو
مئة ألف موكلة؛ قال: بل أؤخرك يا أمير المؤمنين. فما لبث أن أبلت الفرسان، فقال: احملوه، حتى كان أحد مسامريه.
ركب المأمون يوماً إلى المطبق، وبلغ القواد ركوبه فتبعوه، وكان رجل من الطالبيين يلقب بكلب الجنة، وكان طيباً ظريفاً، فكان كلب الجنة ممن ركب تلك العشية، قال: فبصر به المأمون، وفي يده خشبة من حطب الوقود، وفي اليد الآخرى لحافه، فقال: كلب الجنة؟ قال: نعم، كلب الجنة، بلغه ركوبك فجاء لنصرتك، والله ما وجدت سلاحاً إلا هذه المشققة من الحطب، ولا ترساً إلا لحافي هذا، وعياش بن القاسم في بيته ألف ترس وألف درع، والف سيف قائم غير مكترث، فوصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمه بثلاثين ألفاً؛ وجاء عياش يركض فشتمه المأمون وناله بمكروه.
قال عمرو بن سعيد بن سلم الباهلي:
كنت في حرس المأمون بحلوان حين قفل من خراسان. قال: فخرج لينظر إلى العسكر في بعض الليالي فعرفته، ولم يعرفني، فأغفلته، فجاء من ورائي حتى وضع يده على كتفي، فقال لي: من أنت، فقلت: أنا عمرو - عمرك الله - ابن سعيد - اسعدك الله - ابن سلم، سلمك الله، فقال: أنت الذي كنت تكلؤنا من هذه الليلة؟ فقلت: الله يكلؤك يا أمير المؤمنين، فأنشأ المأمون يقول: مشطور الرجز
إن أخا هيجاك من يسعى معك
ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب زمانٍ صدعك
فرق من جميعه ليجمعك
ثم قال: أعطه لكل بيت ألف دينار، فوددت أن تكون الأبيات طالت علي فأجد الغناء، فقلت: يا أمير المؤمنين، وازيدك بيتاً من عندي فقال لي هات، فقلت:
وإن غدوت طالما غدا معك
فقال: أعطه لهذا البيت ألف دينار، فما برحت من موقفي حتى أخذت خمسة آلاف دينار.
دخل المأمون يوماً ديوان الخراج، فمر بغلام جميل، على أذنه قلم، فأعجبه ما رأىمن حسنه، فقال: من أنت يا غلام؟ قال: الناشئ في دولتك وخريج أدبك يا أمير المؤمنين، المتقلب في نعمتك، والمؤمل لخدمتك، الحسن بن رجاء، فقال له المأمون: يا غلام، بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول، ثم أمر أن يرفع عن مرتبة الديوان، وأمر له بمئة ألف درهم.
قال أبو الفضل الربعي: لما ولد جعفر بن المأمون المعروف بابن بخه دخل المهنئون على المأمون فهنؤوه بصنوف من التهاني، وكان فيمن دخل العباس بن الأحنف، فمثل قائماً بين يديه ثم أنشأ يقول: الرجز
مد لك الله الحياة مدا ... حتى ترى ابنك هذا جدا
ثم يفدى مثلما تفدى ... كأنه أنت إذا تبدى
أشبه منك قامةً وقدا ... مؤزراً بمجده مردى
فأمر له المأمون بعشرة آلاف درهم.
كانت للرشيد هارون جارية غلامية، تصب على يده، وتقف على رأسه، وكان المأمون يعجب بها، وهو أمرد، فبينا هي تصب على هارون من إبريق معها، والمأمون مع هارون قد قابل بوجهه وجه الجارية إذ أشار إليها بقبلة، فزبرته بحاجبها، وأبطأت عن الصب في مهلة ما بين ذلك، فنظر إليها هارون، فقال: ما هذا؟! فتلكأت عليه، فقال: ضعي ما معك، علي كذا، إن لم تخبريني لأقتلنك، فقالت: أشار إلي عبد الله بقبلة، فالتفت إليه وإذا هو قد نزل به من الحياء والرعب ما رحمه منه فاعتنقه، وقال: أتحبها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: قم فادخل بها في تلك القبة، فقام، ففعل، فقال له، هارون: قل في هذا شعراً، فأنشأ يقول: المجتث
ظبي كنيت بطرفي ... عن الضمير إليه
قبلته من بعيد ... فاعتل من شفتيه
ورد أحسن رد ... بالكسر من حاجبيه
فما برحت مكاني ... حتى قدرت عليه
عشق المأمون جارية لأم عيسى امرأته، فوجدت عليه فكتب إليها شعراً به: الوافر
أما يكفيك أنك تملكيني ... وأن الناس كلهم عبيدي؟
فرضيت عنه. وجاءها فأخرجت إليه الجواري، فغنت الجارية الشعر من بينهن، فقال المأمون:
أرى ماء وبي عطش شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود
فقالت: خذها غير مبارك لك فيها.
قال بعض النخاسين: عرضت على المأمون جارية فصيحة، متأدبة، شطرنجية، فساومته في ثمنها بألفي دينار، فقال المأمون: إن هي أجازت بيتاً أقوله ببيت من عندها اشتريتها بما تقول، وزدتك. قال: فكم الزيادة يا أمير المؤمنين؟ قال: مئة دينار، قال: زدني، قال: مئتا دينار، قال: زدني، قال: ثلاث مئة دينار، قال: زدني، قال: خمس مئة دينار، قال: فليسألها أمير المؤمنين عما أراد، فأنشد المأمون: البسيط
ماذا تقولين فيمن شفه أرق ... من جهد حبك حتى صار حيرانا
فأجازته:
إذا وجدنا محباً قد أضر به ... داء الصبابة أوليناه إحسانا
كان المأمون يهوى جارية من جواريه يقال لها: تتريف، فبعث إليها ليلة خادماً يأمرها بالمصير إليه، فجاءها الخادم، فقالت: لا والله، لا أجيؤه، فإن كانت الحاجة له فليصر إلي. فلما استبطأ المأمون الخادم أنشأ يقول: الطويل
بعثتك مشتاقاً ففزت بنظرةٍ ... وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا
ونا جيت من أهوى وكنت مقرباً ... فيا ليت شعري عن دنوك ما أغنى
ورددت طرفاً في محاسن وجهها ... ومتعت باستمتاع نغمتها أذنا
أرى أثراً منها بوجهك ظاهراً ... لقد سرقت عيناك من حسنها حسنا
فقال الخادم: لا والله يا سيدي، إلا أنها قالت كذا وكذا، فقال: إذاً والله أقوم إليها.
ومن شعر المأمون يقوله في نديم له، وقد ثمل عنده سكراً، فناوله قدحاً بيده فقال: خذ، فقال: يدي لا تطاوعني، فقال: قم نم في فراشك، وكان ينام عنده، فقال رجلي لا تواتيني، فقال فيه المأمون: البسيط
أبصرته وظلام الليل منسدل ... وقد تمدد سكراً في الرياحين
فقلت: خذ قال: كفي لا تطاوعني ... فقلت: قم قال: رجلي لا تواتيني
إني غفلت عن الساقي فصيرني ... كما تراني سليب العقل والدين
ومن شعر المأمون: البسيط
مولاي ليس لعيشٍ أنت حاضره ... قدر ولا قيمة عندي ولا ثمن
ولا فقدت من الدنيا ولذتها ... شيئاً إذا كان عندي وجهك الحسن
كتب الرضى إلى المأمون: السريع
إنك في دار لها مدة ... يقبل فيها عمل العامل
أما ترى الموت محيطاً بها ... يقطع منها أمل الآمل
يعجبك الذنب لما تشتهي ... وتأمل التوبة في قابل
والموت يأتي أهله بغتةً ... ماذا بفعل الحازم العاقل
دخل المريسي يوماً على المأمون فقال: يا أمير المؤمنين، إن ها هنا شاعراً يهجو، ويقول الشعر فيما أحدثناه من أمر القرآن، فأحب أن تحدد له عقوبة، فقال المأمون: أما غنه إن كان شاعراً فلست أقدم لك عليه، وإن كان فقيهاً أقدمت عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه يدعي الشعر، وليس بشاعر، فقال: إنه قد خطر على فؤادي في هذه الليلة أبيات فأنا أكتب بها إليه، فإن لم يجبني أقدمت عليه فكتب: المنسرح
قد قال مأموننا وسيدنا ... قولا له في الكتاب تصديق
إن علياً أعني أبا حسنٍ ... أفضل من أرقلت به النوق
بعد نبي الهدى وإن لنا ... أعمالنا والقران مخلوق
فلما قرأها الشاعر قال: اكتب: البسيط
يا أيها الناس لا قول ولا عمل ... لمن يقول كلام الله مخلوق
ما قال ذاك أبو بكر ولا عمر ... ولا النبي ولم يذكره صديق
ولم يقل ذاك إلا كل مبتدعٍ ... على الإله وعند الله زنديق
عمداً أراد به إمحاق دينكم ... لأن دينهم والله ممحوق
أصح يا قوم عقلاً من خليفتكم ... يمسي ويصبح في الأغلال موثوق؟
فلما ورد الشعر على المأمون التفت إلى المريسي فقال له: يا عاض كذا من أمه، لا يكني، أليس زعمت أنه ليس بشاعر؟ وأغلظ له في القول.
قال معلى بن أيوب: وقف المأمون في بعض أسفاره وهو قافل إلى طرسوس في قدمته التي مات فيها، فوقف على شرفٍ عالٍ ثم انشاً يقول: البسيط
حتى متى أنا في حط وترحالٍ ... وطول سعيٍ وإدبارٍ وإقبالٍ
ونازح الدار لا أنفك مغترباً ... عن الأحبة ما يدرون ما حالي
بمشرق الأرض طوراً ثم مغربها ... لا يخطر الموت من حرصٍ على بالي
ولو قعدت أتاني الرزق في دعةٍ ... إن القنوع الغنى لا كثرة المال
وصفت للمأمون جارية، بكل ما توصف امرأة من الكمال والجمال، فبعث في شرائها فأتي بها وقت خروجه إلى بلاد الروم. فلما هم ليلبس درعه خطرت بباله، فأمر، فأخرجت إليه. فلما نظر إليها أعجب بها؛ فقالت: ما هذا؟ قال: أريد الخروج إلى بلاد الروم. قالت: قتلتني والله يا سيدي، وحدرت دموعها على خدها كنظام اللؤلؤ، وأنشأت تقول: الوافر
سأدعو دعوة المضطر رباً ... يثيب على الدعاء ويستجيب
لعل الله أن يكفيك حرباً ... ويجمعنا كما تهوى القلوب
فضمها المأمون إلى صدره، وأنشأ يقول: الطويل
فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها ... وإذ هي تذري الدمع منها الأنامل
صبيحة قالت في العتاب قتلتني ... وقتلي بما قالت هناك تحاول
ثم قال لخادمه: يا مسرور، احتفظ بها، وأكرم محلها، وأصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمح لها كل ما تحتاج إليه من المقاصير والخدم والجواري إلى وقت رجوعي، فلولا ما قال الأخطل حين يقول: البسيط
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار
ثم خرج، فلم يزل يتعهدها، ويصلح ما أمر به، فاعتلت الجارية علةً شديدة، وورد عليها نعي المأمون. فلما بلغها ذلك تنفست الصعداء وتوفيت. وكان مما قالت وهي تجود بنفسها: البسيط
إن الزمان سقانا من مرارته ... بعد الحلاوة انفاساً وأروانا
أبدى لنا تارة منه فأضحكنا ... ثم انثنى تارة أخرى فأبكانا
إنا إلى الله فيما لا نزال به ... من القضاء ومن تلوين دنيانا
دنيا نراها ترينا من تصرفها ... مالا يدوم مصافاةً وأحزانا
ونحن فيها كأنا لا نزايلها ... للعيش أحياؤنا يبكون موتانا
توفي المأمون وسنة ثمان وأربعون سنة، وقيل تسع وأربعون، وسنه الصحيح ثمان وأربعون سنة وأ؟ ربعة أشهر وخمسة أيام. وتوفي ناحية طرسوس في رجب سنة ثمان عشرة ومئتين. ودفن بطرسوس في دار خاقان الخادم. وقال أبو سعيد المخزومي: الخفيف
ما رأيت النجوم أغنت من المأ ... مون في عز ملكه المأسوس
خلفوه بعرصتي طرسوس ... مثلما خلفوا أباه بطوس

Software and presentation © 2026 Hawramani.com. All texts belong to the public domain.

Privacy Policy | Terms of Use

Arabic Keyboard لوحة المفاتيح العربية ▼
Click a letter to place it inside the search box:
← delete
ا
ى
ء
أ
ؤ
ئ
إ
آ
ب
ت
ث
ج
ح
خ
د
ذ
ر
ز
س
ش
ص
ض
ط
ظ
ع
غ
ف
ق
ك
ل
م
ن
هـ
و
ي
ة
space